العَورَةَ إنْ لم يكُنْ شفافًا؛ فَقِيلَ يُبْطِلُها؛ وقِيلَ: بل الصلاةُ فِيهِ مَكْرُوهَةٌ، وأكثَرُ العلماءِ علَى صحَّةِ الصلاةِ فِيهِ مع الكراهَة، واللهُ أعْلَم.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللهُ عَنه: يَيْبَغِي أنْ يُفَرَّقَ بَينَ ما ذكَرَهُ الفُقهاءُ مِن مَشَقَّةِ الاحْتِرازِ عن التِصاقِ الثوبِ وتَشكُّلِهِ؛ فلا يَضُرُّ - كما فِي حاشِيَةِ ابنِ عابدِينَ، وحكاهُ النوويٌُّ فٍي المجموعِ عنِ المذْهَبِ؛ وابنُ قدامَةَ فِي المُغْنِي وَغَيرُهُم من العلماءِ - وبَينَ لِباسِ البِنْطالِ الضيقِ الذِي أحدَثَهُ الناسُ وبَالَغُوا فِي ذلكَ حَتّى غَدا من شَعائرِ الفُساقِ ومُرَوِّجِي الشهَواتِ؛ ثُمَّ بالغُوا فِي ذلكَ فَأحدَثُوا مِنْهُ ما هُو على لَونِ الجِلْدِ وأشدُّ بِهِ التِصاقًا؛ حَتَّى يُظَنَّ لابِسُهُ عارِيًا، فَمِثْلُ هَذا يَقْصِدُ لابِسُهُ إلَى تَجْسيدِ العَورَةِ وإبرازِها؛ فَهُو عَلى هَذهِ الحالَةِ فِي الصلاةِ وفِي خارِجِها، فَكَيْفَ يُقالُ معَ ذلكَ إنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ ما يَشُقُّ الاحْتِرازُ عَنْهُ؟!، والذِي أمِيلُ إلَيهِ هُو التَفْرِيقُ بينَ ما يَشُقُّ الاحترازُ عَنهُ كما ذكَرَهُ الأئمَةُ رَحِمَهُمُ الله؛ فالصلاةُ بهِ جائزَةٌ؛ وبينَ هَذا الذِي أحْدَثَهُ الناسُ فالصلاةُ بهِ باطِلَةٌ؛ لأنَّ المُصَلِّيَ لَمْ يُراعِ سَتْرَ العَورَةِ أصلًا كما أُمِرَ، واللهُ أعْلم.
واعْلَمْ أنَّ سَتْرَ العَوراتِ فِي الصلاةِ من شعائرِ الإسلامِ الظاهِرَةِ المُتواتَرَةِ؛ فَلَوْ امتَنَعَتْ طائفَةٌ عن ذلكَ قُوتلتْ عَلَيهِ قِتالَ مَانعِي الزكاةِ، وقَدْ حَدَّثَنِي جماعَةٌ من أصحابِنَا من عُلَماءِ الأفْغانِ أَنَّهُ خَرَجَ فِي بَعْضِ القَبائلِ قَبْلَ عَشراتِ السنينَ رَجُلٌ أحْدَثَ فِي الناسِ الصَلاةَ عُراةً كما وَلَدَتْهُمْ أُمَّهاتُهُمْ!؛ ويَزْعُمَ أنَّ ذلكَ من وَسائلِ حُصُولِ الوِلايَةِ!، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أنْ تَفاقَمَ أمْرُهُ وذاعَ خَبَرُهُ؛ وأصْبَحَ لَهُ مِئاتٌ من الأتْباعِ، وابْتَنَوا مَسْجِدًا؛ فكانُوا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ للصلاةِ عَلى هَذهِ الهَيْئَةِ المُنْكَرَةِ، ثُمَّ وعَظَهُ العُلماءُ وناظُرُوه؛ ونَصَحُوهُ وأمْهَلُوهُ؛ لعَلَّهُ يراجِعُ ويَتُوبُ، فامْتَنَعَ ومَن مَعَهُ عَن ذلكَ؛ وأظَهَرُوا العَصَبِيَّةَ الجاهِلَيَّةَ والحَمِيَّةَ لِما هُمْ عَلَيهِ، فاجْتَمَعَت حينَئِذٍ كَلمةُ العُلماءِ عَلَى أنَّهُمْ خارِجُونَ عَن شرِيعَةِ الإسلامِ؛ وأفْتَوا بِقِتالِهِمْ؛ فَقاتَلُوهُمْ وقَتَلُوا داعِيتَهُمْ ورُؤوسَ الفِتْنَةِ فِيهمْ؛ حَتَّى تَفَرَّقَ جَمْعُهُم وتَبدَّدَ شَمْلُهُمْ؛ ولَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إلاَّ من تَمَكَّنَ مِن الفِرارِ، وأخْمَدَ اللهُ بِدْعَتَهُمْ وأماتَ سُنَّتَهُمْ فأصْبَحُوا خَبَرًا لكان؛ وحَدِيثًا من أحادِيثِ الزمان، وللهِ الحَمْدُ والمِنَّةِ.
أمّا مَن اضْطُرَّ إلَى ذلكَ؛ كَمُجاهِدٍ دَخَلَ دارَ الحَرْبِ؛ ولَمْ يَجِدْ بُدًا من الصلاةِ فِيهِ فَلاَ حَرَجَ عَلَيهِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تعالَى: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} ؛ وقَولِهِ: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ؛ ولأَنَّ قَواعِدَ الشرْعِ جَرَتْ بالرُّخْصَةِ للمُجاهِدِ بِما لا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ، والضرُورَةُ وإنْ كانَتْ تَتَناوَلُهُ وتَتَناوَلُ غَيرَهُ أيْضًا؛ إلاَّ أنَّها آكَدُ فِي حَقِّهِ، قالَ فِي مُغْنِي المُحْتاجِ: فَإِنْ عَجَزَ - (يَعْنِي: عن الثيابِ) - وَجَبَ أَنْ يُصَلِّيَ عَارِيًّا، وَيُتِمَّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ، وَلاَ إعَادَةَ عَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ. انتهى. ونَحْوُهُ فِي الإقْناع، وهَذَا إنْ كانَ جائزًا فِي حَقِّ من لَمْ يَجِدِ الثيابَ أصْلًا، فَجَوازُهُ فِي حَقِّ من اضطُرَّ إلى الضيقِ مِنها أولَى، والصحِيحُ ما ذكَرَ مِن أنَّهُ لا تَجِبُ عَلَيهِ الإعادَةُ، لأنَّهُ حِينَ صَلّى كانَ آتِيًا بِما يَقْدِرُ عَلَيهِ؛ ساقِطًا عَنْهُ التكلِيفُ بِما يَعْجَزُ عَنه، فَقَدْ فَعَلَ ما أُمِرَ بِه، فَلا يُؤمَرُ بالإعادَةِ إلا بِدَلِيل.
واللهُ أعلم سبحانه، وصلى الله على محمدٍ وعلَى آلهِ وصحْبِهِ وسلم.
كانَ اللهُ له
أبو الوليد الغزي الأنصاري