بِسمِ اللهِ الرحْمَنِ الرحِيم
حكْمُ الصلاةِ فِي (البنطال)
رقمُ الفَتْوى: 8/ 4/ 5266
وسُئلَ عن المُجاهِدِ إِذا اضْطُرَّ إلَى لِبْسِ (البنطالِ) الضيقِ؛ ومَرَّ بهِ وقْتُ الصلاةِ؛ هلْ يُجْزِئُهُ أنْ يُصلّيَ فِيهِ؟، وما حُكْمُ الصلاةِ فِي السراوِيلِ إذا كانَ شَفّافًا أو رَقِيقًا يَلْتَصِقُ بالجَسدِ؟.
فَأجاب:
الحَمْدُ للهِ؛ وبعْد:
فقدْ قالَ تعالَى فِي كتابِهِ الكريم: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْد كُلّ مَسْجِدٍ} ؛ والمرادُ بالزِّينَةِ الثيابُ؛ كما رويَ عن ابنِ عباس وعنْ مجاهدٍ وطاوس، وبهِ قالَ الشافعِيُّ كما فِي الأُمِّ؛ وغَيرُهُمْ رحمهمُ الله، وَيَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تعالَى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} ؛ يعْنِي: ثِيابَهُنّ، وحَكَى ابنُ حَزْمٍ الاتفاقَ علَى أنَّ المرادَ سَتْرُ العَورَةِ، وذكَرَ ابنُ عادِلٍ فِي اللبابِ إجْماعَ المُفَسرِينَ عَلَيهِ، وقالَ القُرْطُبِيُّ: دلتْ هَذهِ الآيَةِ عَلَى وُجُوبِ سَتْرِ العَورَةِ، وذكَرَ نَحْوَهُ البيضَاوِيُّ وقالَ: وَمِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَاخُذَ الرَّجُلُ أَحْسَنَ هَيْئَةٍ للصَّلاَةِ. انتهى. ويتأكدُّ ذلكَ فِي حَقِّ من كانَ ذا عِلْمٍ ومُروءَةٍ، قالَ فِي مَجْمَعِ الأنهر: وَفِي الْقُنْيَةِ: الْعِمَامَةُ الطَّوِيلَةُ وَلُبْسُ الثِّيَابِ الْوَاسِعَةِ حَسَنٌ فِي حَقِّ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ هُمْ أَعْلاَمُ الْهُدَى دُونَ سَائِرِ النَّاسِ؛ وَالأََحْسَنُ أَنْ يَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ لِلصَّلاَةِ. انتهى.
ومِنْ تَراجِمِ البخارِيِّ: بابُ وُجوبِ الصلاةِ فِي الثِّيابِ، وَعندَ مسلمٍ عن ابنِ عباسٍ أنَّ الآيةَ نزَلَتْ فِي النهْيِ عن التعرِّي فِي الطوافِ، وإذا مُنِعَ فِيهِ من التعَرِّي فالصلاةُ أوْلَىَ؛ إذْ يُشتَرَطُ فِيها ما يُشتَرَطُ فِي الطوافِ وزِيادَة، وأيْضًا فَإنها وإنْ وَرَدَتْ فِي الطوافِ فإنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللفْظِ لا بِخُصُوصِ السبَبِ؛ كذا قالَ ابنُ عادِلٍ وغَيرُهُ؛ وأوردَ عَلَيهِ فِي فَتْحِ القَدِيرِ إيرادًا يَرْجِعُ إلى تَفْرِيقِ الحَنَفِيةِ بَيْنَ الفَرْضِ والواجِب؛ فانظرْهُ هناك، وقَوْلُهُ: {عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} يُشِيرُ إلَى العُمُومِ المَذكُورِ؛ وسواءٌ فِي ذلكَ الفَرائِضُ والنوافِل، ولذا قالَ جَمْعٌ من المُفَسرِينَ: عِنْدَ كُلِّ طَوافٍ وصلاةٍ، قالَ الأَلُوسِيُّ: وَإِلَى ذَلكَ ذَهَبَ مُجَاهِدٌ وَأَبُو الشَّيْخِ وَغَيْرُهُمَا. انتهى. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ سَتْرَ العَورَةِ من شروطِ الصلاةِ، وفَرَّقَ بعْضُ المالكِيَّةِ بَينَ الذاكِرِ والناسِي، وأطْلَقَ آخَرَونَ مِنْهُمْ أنهُ سَنَّةٌ لا تَبْطُلُ الصلاةُ بَتَرْكِهِ، والصوابُ ما ذهَبَ إلَيهِ الجُمْهُور
فائدة: من اللطائفِ فِي هذا المَقامِ قَولُ البقاعِي: وَلَمَّا أمَرَ بِكِسْوَةِ الظَّاهِرِ بالثِّيابِ لأَنَّ صِحَّةَ الصَّلاَةِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَيْهَا؛ أَمَرَ بِكِسْوَةِ البَاطِنِ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لِتَوَقُّفِ القُدْرَةِ عَادَةً عَلَيْهَا فَقَالَ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} ؛ وَحَسَّنَ ذَلكَ أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَتَدَيَّنُ فِي الحَجِّ بِالتَّضْييقِ فِي ذَلكَ. انتهى.
وسَتْرُ العَورَةِ لا يَتِمُّ بالثوبِ الرقِيقِ الذِي يُرى ما تَحْتَهُ؛ وفِي تَبْيِينِ الحَقائقِ من كُتُبِ الحَنَفِيةِ: وَالثَّوْبُ الرَّقِيقُ الَّذِي يَصِفُ مَا تَحْتَهُ من الجِلْدِ لاَ تَجُوزُ الصَّلاَةُ فِيهِ؛ لأَنَّهُ مَكْشُوفُ الْعَوْرَةِ مَعْنًى. انتهى.
وكذلكَ إن كانَ الثوبُ ضيِّقًا (كالبْنطالِ) الذِي اعْتادَ كَثِرٌ من الناسِ أن يلْبَسُوهُ؛ فالظاهِرُ أَنَّهُ لا يَقَعُ بِهِ السترُ المَطْلوبُ، لأَنَّهُ يُحَدِّدُ العَوْرَةُ؛ وتَحْدِيدُها لَهُ حُكْمُ كَشْفِها؛ فالصلاةُ بِهِ مَمْنُوعَةٌ أيْضًا.
وَسَتْرُ العَورَةِ شَرْطُ صِحَّةٍ فِي الصلاةِ، وعَلى هَذا فَمَنْ تَركَ ذلكَ معَ القُدْرَةِ عَلَيهِ لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ؛ لأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى كَوْنِهِ مَامُورًا بِالسَّتْرِ فِي الصَّلاَةِ، وَالأََمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَالنَّهْيُ فِي الْعِبَادَاتِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ. كذا فِي أسنى المطالب لزكريّا الأنصاريِّ الشافِعِي، وهذا يُقالُ بِهِ فِي الثوبِ إذا كانَ رَقِيقًا يكْشِفُ عما تَحْتَهُ، أما البنطالُ الذِي يُجَسِّدُ