الصفحة 187 من 207

الجَوْزِيِّ في زادِ المَسيرِ بِقَوْلِه: لأنه أرهبُ للعدُوِّ، وأَحْرى أنْ لا يُقْدِمُوا عَلَيْهِمْ، واختارَ الزجاجُ عَوْدَ الضميرِ عَلَى الجَمِيعِ كما في اللبابِ لابْنِ عادل.

وفي الجواهِر الحسانِ لأبي زَيدٍ: ولفظ الآية يتناوَلُ الكلَّ، ولكنْ سِلاَحُ المصلِّين ما خَفَّ، قُلْتُ: ومن المعلوم أنه إذا كانَتِ الطائفةُ المصلِّيةُ هي المأمورَةَ بِأخْذِ السِّلاحِ، فالحارسَةُ من باب أحرى. انتهى.

بلْ مِنَ العُلَماءِ من قال: إنَّ الأَمْرَ بِحَمْلِ السلاحِ في صلاةِ الخَوْفِ عَلى الوُجُوبِ لِظاهِرِ الآية، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشافِعِيِّ.

وذكَرَ ابْنُ حِبانَ في البَحْرِ أنَّ السلاحَ ما يَتَحَصَّنُ بِهِ الإنْسانُ مِنْ سَيْفٍ ورُمْحٍ وخِنْجَرٍ ودَبُّوسٍ ونَحْوِ ذلكَ، وعَلَى هذا فَكُلُّ أنْواعِ السلاحِ الحادِثَةِ مِمَّا يَحْتاجُ إلَيْها المُقاتِلُ فَلَهُ حَمْلُها فِي الصلاةِ أوْ إمْساكُها أو وَضْعُها بَينَ يَديْهِ أوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ عَلَى أَيِّ وجْهٍ يَحْصُلُ بهِ المقْصُودُ مَنَ الحَيْطَةِ والحَذَرِ، مالَمْ يَشْغَلْهُ حَمْلُهُ عَنِ الصلاةِ؛ أو يكُونُ بِحَيْثُ يُؤْذِي بهِ مَنْ قامَ إلى جَنْبَهِ مِنَ المُصلِّين.

وأما الأحاديثُ؛ فمنها ما رواهُ البخاريُّ من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَر: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عَلَيهِ وسلَّمَ قِبَلَ نَجْدٍ؛ فوازَيْنا العَدُوَّ؛ فصافَفْنا لهم؛ فقامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلي لنا؛ فقامَتْ طائفةٌ معه تُصلِّي؛ وأقْبَلَتْ طائِفَةٌ علَى العدُوِّ؛ وركعَ رسُولُ الله صلّى الله علَيْهِ وسلم بمَنْ معَهُ وسجدَ سجدَتَيْن؛ ثم انْصرفُوا مكان الطائفَةِ التي لم تُصلِّ فجاءُوا فركعَ رَسُولُ الله صلى الله عَليه وسلم بهم رَكْعَةً وسجدَ سجدتينِ؛ ثم سلّمَ؛ فقام كلُّ واحدٍ منهم فرَكَعَ لنَفْسِهِ رَكْعَةً وسجدَ سَجْدَتَيْن.

ومِنْها ما في الصحِيحَيْنِ أيْضا عَنْ جَابِرٍ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - بِذَاتِ الرِّقَاعِ، فَإِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَسَيْفُ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - مُعَلَّقٌ بِالشَّجَرَةِ فَاخْتَرَطَهُ فَقَالَ تَخَافُنِى قَالَ «لاَ» . قَالَ فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّى قَالَ «اللَّهُ» . فَتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -، وَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَرْبَعٌ وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتانِ.

فإنْ كانَ في الاجِتْماعِ للصَلَواتِ خَطَرٌ لاخِتِلافِ أحْوالِ القِتالِ في زَمانِنا؛ ورُبما أصابَ العَدُوُّ المُصلينَ بِرِمايَتِهِم فلا حَرَجَ عَلَيْهِمْ أنْ يَصَلّوا مُتَفَرِّقينَ جَماعاتٍ أو فُرادَى، ولَهُ أنْ يَصَلِّيَ في الخَنْدَقِ ولوْ جالِسًا إنْ تَعَذرَ الوُقُوف؛ للأدِلَّةِ التي أشَرْنا إلى بَعْضِها؛ ويأتِي غَيرُها في موضعٍ آخرَ إنْ شاءَ الله؛ ولِعُمُومِ قَوْلِهِ تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها} ؛ وقَولِه تعالى: {فَاتَّقُوا اللهَ ما اسْتَطَعْتُمْ} .

ولا حَرَجَ أنْ يُصَلِّيَ جالِسًا عَلَى مَقْعَدِ السلاحِ كَمُضادَّاتِ الطيَرانِ مَثَلًا إنْ اقْتَضَى حالُ الحَذَرِ أو القِتالِ ذلك؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} ؛ فإنَّ قَوْلَهُ: {أَوْ رُكْبانًا} ؛ يعْنِي: ظُهُورَ الدواب، قالَ العُلَماءُ هُوَ في حالِ المُقاتَلَةِ والمُسايَفَةِ، قُلْتُ: وحالُ الحَذَرِ والاحْتِياطِ مِنْ طَيَرانِ العَدُوِّ فِي مَعْناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت