قالَ المنْذِرِيُّ في الحواشي: وبه قالَ عَطاءُ، وجابرُ، والحسنُ، ومجاهدُ، والحكمُ، وقتادةُ، وحمّادُ، وإليه ذهب طاوُسُ والضحّاكُ.
ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ مَنْ ذهَبَ إلى رَدِّ الصبْحِ إلى رَكْعَةٍ واحِدَةٍ عِنْدِ الخوف، ومَنْ قالَ يُجْزِئُ الإيماءُ بالركْعَةِ؛ فإنْ لمْ يَقْدِرْ أجْزأتْهُ سَجْدَةٌ واحِدَة، ومَنْ قالَ بالاجْتِزاءِ بِتَكْبِيرَةٍ واحَدَةٍ، فإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْها فلا يَتْرُكْها في نَفْسِهِ بالنِّيَّةِ، ثُمَّ قَوْلَ مَنْ أباحَ تأخِيرَ الصلاةِ عَنْ وَقْتِها لِعُذْرِ القِتال والمُناجَزَة، والراجِحُ مِنْ هذا كُلِّهِ نأتي عَلَيْهِ في مَسْألَةٍ أُخْرى إن شاءَ الله.
وفي اللبابِ لابنِ عادل: قالَ أحْمد بن حَنْبَل: كُلُّ حَدِيثٍ رُوِيَ في أبًواب صَلاةِ الخَوْفِ، فالعَمَل به جَائِزٌ. انتهى.
وقَدْ ذكَرَ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ الله أنَّ صلاةَ الخَوْفِ ورَدَتْ عَلَى أرْبعَ عَشْرَةَ صِفَةً، وذكَرَ ابنُ عَجيبَةَ في التفسيرِ أنها عشرةُ أقوالٍ على حسبِ الأحاديثِ النبَوِيَّة، وَقالَ ابنُ القصّارِ المالكي: إن النَّبي صلى الله عليه وسلم صَلاّها فِي عَشَرَةَ مواضِعَ؛ كذا في أضواءِ البيان، وفيهِ أيضًا: وقالَ ابنُ العَرَبِي المالِكِيُّ: رُوِيَ عن النَّبي صلّى الله عليه وسلّم أنه صلّى صلاةَ الخوْفِ أربعًا وعشرينَ مرَّةً، وقالَ ابنُ القيمِ إنها تَرْجِعُ إلى سِتِّ صِفاتٍ أو سَبْع.
ونَحْنُ نَذكُرُ ما فِي كِتابِ اللهِ تعالَى أوّلًا؛ ثُمَّ نَكْتَفِي بِذِكْرِ صِفَتَينِ هنا مِمّا ثَبَتَ في السنَّةِ تَسْهِيلًا عَلَى الناظِرِ لِتُحْفَظ، وعَلَى أمَراءِ السرايا أنْ يُعَلِّموها لِعامَّةِ المُجاهِدينَ عَمَلِيًّا؛ لأنّهُ أيسَرُ لعامَّتِهِمْ؛ وفي الصحيحينِ مِن حديثِ سَهْلِ بن سعدٍ الساعديِّ رضيَ اللهُ عنه أنَّ النبِيَّ صلَّى الله علَيهِ وسلَّمَ وقفَ عَلى المِنْبَرِ وصلَّى لِيتَعَلَّمَ الناسُ صَلاته، ورَوَى البَيْهَقِيِّ بإسنادِهِ عَنْ أبِي العالية قال:"صلّى بنا أبُو موسُى الأشْعريُّ بأَصْبَهانَ صلاةَ الخوفِ - وما كانَ كَثِيرُ خوفٍ - لِيُرِيَنَا صلاةَ رسولِ اللهِ (صلى الله علَيْهِ وسلَّم) ... الحديث."
فما في التنْزِيلِ في قَوْلِهِ تعالى:
{وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَاتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَاخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} .
والطائِفَةُ المأمُورَةُ بأخْذِ السلاحِ قِيل: هِي التي تُصَلِّي؛ وقيل: وهوَ عنِ ابنِ عباس: التي كانَتْ بإزاءِ العَدُوّ، والصوابُ أَنَّهُ يَتَناوَلُ الطائِفَتَيْنِ جَمِيعًا، ومَنْ مارَسَ الحَرْبَ وعَلِمَ ما يَقَعُ فِيها مِنَ المُباغَتَةِ وسُرْعَةِ الكَرِّ والفَرِّ؛ وأَنَّ اللحَظاتِ فِيها فارِقٌ بَيْنَ السلامَةِ والإصابَة؛ وما يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ القائدُ مِنْ حَذَرٍ أشَدَّ مِنْ حذَرِ الغُراب تَبَيَّنَ لِهُ صِحَةُ ما اخْتَرْناهُ، وأنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ تعالى: وَخُذُوا حِذْرَكُمْ يُؤَيِّدُه، وعَلَّلَهُ ابنُ