بِسْمِ الله الرحْمن الرحيم
الهَيْئَةُ المناسِبَةُ منْ صَلاةِ الخَوفِ للقِتالِ في زَمانِنا
رقم الفتوى: 12/ 1 /303
مَسْأَلَةٌ: وَرَدَ في صلاةِ الخوْفِ هَيئاتٌ مَخْتَلِفَةٍ فأيُّ هَيْآتِها أفْضل؟؛ خاصَّةً وأنَّ أساليبَ القِتالِ قدْ تَغَيَّرَتْ في زَمانِنا؛ بَحَيْثُ يَكُونُ فِي الاجْتِماعِ للصلاةِ خَطَرٌ على المُصلين؟.
الجَواب: الحَمْدُ للهِ؛ وبَعْد:
فإنَّ صلاةَ الخَوْفِ قَدْ ثَبَتَتْ عَنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وسلَّمَ بِهْئئاتٍ عِدَّةٍ؛ وكُلُّ ما ثَبَتَ عَنْهُ فالصلاةُ بهِ سُنَّةُ مَشرُوعَةٌ، ولَوْ قِيلَ بالتَفْضيلِ لكانَ الوارِدُ في كِتابِ اللهِ أَوْلَى؛ بلْ صرَّحَ الفَخْرُ الرازِيُّ بأنَّ مَرَدَّ الاخْتِلافِ هُوَ الأشدُّ مُوافَقَةً لظاهِرِ الآية، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ اخْتَلافُ هَيْآتِها لأنَّ النبِيَّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ صلاها في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ بِحَسْبِ المَصْلَحَة.
وأحْسَنُ ما يُقالُ في اخْتِلافِ الهَيْئاتِ أنَّ الأفْضَلَ مِنْها ما كانَ أنْسَبَ لِحالِ القِتال، فَيَتَخَيَّرُ أمِيرُ الجُنْدِ أو قائِدُ السرِيَّةَ ما يَراهُ أَوْفَقَ لِلْحالِ؛ وإنما جَعَلْنا التخْييرَ للأميرِ لأَنَهُ أدْرَى بِعَدُوِّهِ؛ وأَعْلَمُ بِما يَحْتاجُ إليْهِ مِنَ الحَيْطَةِ والحَذر.
قالَ المخْتارُ الشنْقِيطيُّ في الأضْواء: الذي يظهرُ والله تعالى أعلم، أنّ أفضلَ الكَيْفِيَّاتِ الثابِتَةِ عَنْهُ صلّى الله عليه وسلّم في صلاةِ الخَوْفِ، ما كان أبلغَ في الاحْتِياطِ للصلاة والتَّحَفُّظِ مِنَ العدُو. انتهى.
بَلْ لَوْ كانَ المُجاهِدُونَ في سَعَةٍ فليُصَلُّوا بِهذهِ الهَيْئَةِ مَرَّةً وبِتِلْكَ أُخْرى؛ لِما في ذلكَ مِنْ تَعْلِيمِها للمُجاهدِينَ؛ ولِما فِيهِ مِنَ العَمَلِ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وسلَّمَ كُلِّها، وحِمايَتِها مِنَ الترْكِ وَالهُجْرانِ، والوِقايَةِ من انْقِلابِ السنَّةِ عادَةً بالمُداوَمَةِ عَلَى صِفَةٍ واحِدَةٍ؛ ولِما يَكُونُ مَعَ التنَقُّلِ بَيْنَ الهَيْئاتِ مِن اسْتِحضارِ النِيَّةِ، وهذا هوَ الصوابِ في كُلِّ ما وَرَدَ في السنَّةِ عَلى هذه الشاكِلَةِ، كأدْعِيَةِ الاسْتِفْتاحِ وصِيَغِ التشهُّدِ والأذكارِ عَقِيبَ الصلَواتِ؛ ونَحْوِ ذلك.
قالَ ابنُ كثيرٍ رحمه الله: صَلاةُ الخَوْفِ أنواعٌ كثيرَةٌ؛ فإنَّ العدُوَّ يَكُونُ تارَةً تِجاهَ القِبْلَةِ؛ وتارَةً يكُونُ في غَيْر صَوْبِها؛ والصلاةُ تارَةً تكونُ رُباعِيَّةً؛ وتارَةً ثُلاثِيَّةً كالمَغْرِب؛ وتارَةً ثَنائِيَّةً؛ كالصبْح وصلاةِ السفر؛ ثم تارَةً يصلُونَ جَماعَةً؛ وتارَةً يَلْتَحِمُ الحربُ فلا يَقدرُونَ على الجماعَة؛ بل يُصلُّونَ فُرادَى مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ وغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيها؛ ورِجالًا و رُكْبانًا؛ ولهمْ أن يَمْشُوا والحالَةَ هذه؛ ويَضْرِبُوا الضرْبَ المُتتابِعَ فِي مَتْنِ الصلاة.
ومِنَ العلماءِ مَن قال: يُصَلُّونَ والحالةَ هذه ركعةً واحِدَةً؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ، وبِهِ قالَ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ.