وبَعْد؛ فَهذا ما كُنْتُ كَتَبْتُهُ اخْتَصارًا في جَوابِ هذه الشُّبْهَةِ في أوائل سَنَةِ (1426) لَما سَألَ عَنْها بَعْضُ الطلَبة، ثمَّ يَسَّرَ اللهُ تعالَى بَعْدَ ذلكَ بِعامَيْنِ فَكَتَبْتُ في الجَوابِ عَنْها (سلَّ الحسامِ لإبْطالِ دَعْوى لا جِهادَ إلا بإمام) ؛ وأتَيْتُ فِيهِ بِحَمْدِ اللهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الأدِلَّةِ والبراهِينِ المُبْطِلَةِ لها؛ ولَما أرْسَلْتُ بِنُسَخٍ مِنْهُ إلى جَمْعٍ مِنْ عُلَماءِ أهلِ الحديثِ في الديارِ الهِنْديَّةِ وإلى جَماعَةٍ مِنْ أكابِرِ عُلَماءِ الحَنَفِيَّةِ أثْنَوْا عَلَيْهِ وتَلَقَّوْهُ بالقُبُول؛ حتَّى قالَ بَعْضُهُم: هذا كِتابٌ كُنا نَحْتاجُ إليه؛ خاصَّةً بَعْدَما كَثُرَ الترْويجُ لِهذهِ الشبْهَةِ في هذه السنينِ الأخيرة!، ورغِبَ بَعْضُهُمْ في تَرْجَمَتِهِ بِلِغَاتٍ أُخْرى، فَحِمِدْتُ اللهُ تعالَى علَى فَضْلِهِ؛ وأنْ جَمَّلَ هذا العُبَيْدَ بِجَمِيلِ سِتْرِهِ؛ وأنعَمَ عَلَيْهِ بِسابِغِ إحسانِه، ورَجَوْتُ أنْ يَكُونَ ذلكَ مِنْ إحياءِ ما انْدَرَسَ مِن الشريعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ؛ والآثارِ النَّبَويّة؛ علَى صاحِبِها صلَواتُ وسلامُ رَبِّ البَريَّة.
ثُمَّ رأيْتُ وسَمِعْتُ في مَواضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ جُمْلَةً من الاعْتِراضاتِ والإيراداتِ لا جَدِيدَ فيها؛ بلْ الجَوابُ عَنْ أكْثَرِها إنْ لم يَكُنْ عنْ جَمِيعِها يَتَضَمَّنُهُ (سلّ الحسام) ؛ إلا أنّها رُبَّما اشْتَبَهَتْ على منْ لا عِلْمَ عِنْدَهُ فظَنَّ الشحْمَ فيمَنُ شَحْمُهُ وَرَمُ!، فَرأيْتُ أنْ أَجْمَعَها فِي مَحَلٍّ واحِدٍ وأُجِيبَ عَنْها فِي شَرْحِ حَديثِ سَلَمَةَ بنِ نُفَيلٍ الكِنْدِيِّ في الخيلِ؛ معَ ما يَتَضَمَّنُهُ شَرْحُ الحديثِ مِنْ نَفائِسِ الفوائدِ؛ وقدْ شَرَعْتُ فيهِ مَنْذُ زَمَنٍ؛ وأسألُ اللهَ أنْ يَتِمَّ قريبًا.
ومِنْ أعْجَبِ العَجَبِ أنْ يُرَوَّجَ لِهذهِ الشبْهَةِ فِي وقْتٍ نَحْنُ أحوجُ ما نَكُونُ فيه إلى الجِهادِ في سَبيلِ الله؛ وبلادُ الإسلامِ تُقْتَطَعُ مِنَ المسلِمينَ الواحِدَةَ بعْد الأُخْرى؛ مَعَ أنَّ الأُمَمَ قاطِبَةً تَسْلَكُ السبيلَ نَفْسَهُ إذا اعْتُدِيَ عَلَيْها؛ أو انْتُزِعَ شَيءٌ مِن حُقُوقِها المادِيَّةِ أو المَعْنَوِية، سِيانِ في ذلكَ الأمَمُ النصرانِيَّةُ والمجُوسِيَّةُ والبوذِيَّةُ وغَيرها مِنَ الكفار!، ولَوْ أنَّكَ نَظَرْتَ فيما تَرْفَعُهُ تِلكَ البلادُ مِنَ الأعْلامِ وما تَحْويهِ من الشعارات؛ وإلى ما في أناشيدِها الوطَنِيَّةِ لَرأيْتَ منَ التحْريضِ عَلى القِتالِ والدفاعِ عنِ الوطَنِ وتَمْجيدِ قَصَصِهم وأساطيرِهم لِمنْ ضحَّى لأجْلهِ ما يطُولُ ذكْرُه!، فإذا صارَ الأمْرُ إلى الإسلامِ وأهْلِهِ انْقَلَبَ رأسًا عَلَى عَقبٍ!؛ ورأَيْتَ مِنَ المُنْتَسِبينَ إليهِ مَنْ يَدْفَعُ عَنهُ هذه التُّهَمَةَ بِزَعْمِه، وكأنَّما الإسلامُ لمْ يَتَنَزَّل عَلى أمَمٍ مَن البشرِ؛ فَيرْعَى ما جُبِلَ عَلَيْهِ الناسُ من الحاجاتِ الفطْرِيَّةِ والضروراتِ الحياتِية، ويَجْرِيَ مَعَ سُنَنِ اللهِ تعالَى في الكَوْنِ والحياة؛ وما اقتَضَتْهُ الحِكْمَةُ وأوجَبَتْهُ نوازِعُ الخَيرِ والشرِّ التي جُبِلَ الإنسانُ عَلَيْها من التدافِعِ بَينَ الحق والباطل؛ فخالَفَ هؤلاء أوامِرَ اللهِ الدينِيَّةَ الشرْعِيةَ وسُنَنَهُ الكَوْنِيَّةَ القدَريَّة، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا بالله.
رَدّ اللهُ المُسلِمين إلى التمُسكِ بِدينِهِ كما أمَرَ سُبْحانه؛ فإنه والله عِزُّهُمْ في الدنيا والآخِرةِ؛ وصلّى اللهُ علَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وعلَى آلِهِ وصَحْبِهِ
وكتب:
خويدم العلم وأهله:
أبو الوليد الغزي الأنصاري؛ كانَ اللهُ له.