الصفحة 179 من 207

بسمِ اللهِ الرحمن الرحيم

هلْ يَقْطَعُ الزواجُ حُكْمَ الهِجْرَةِ والجهاد؟.

وسُئلَ عَمّنْ خَرجَ مِن بَيتِهِ مُهاجِرًا إلى اللهِ تعالَى وللجهادِ في سبيلِهِ، ثُمَّ لَما وَصَلَ إلَى مُبْتَغاهُ عَزَمَ علَى الزواجِ، فَهَلْ يَقْطَعُ هذا نِيّةَ الهِجْرَةِ والجِهادِ، كما فِي الحديثِ: ومن كانت هجرَتهُ إلى دنيا يصيبُها أو امرأةٍ يَنكِحُها فهجرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إلَيهِ؟.

فأجاب:

الحَمدُ للهِ, وبَعْد:

فالحَدِيثُ المذكُورُ يُرادُ بِهِ مَن لَمْ يَخْرُج ابتِداءً للهِجْرَةِ إلا لغَرَضٍ من أغراضِ الدنيا؛ بحيثُ لوْ لَم يكُن ذلكَ لم يُهاجِرْ أصلًا، كما وَرَدَ في بَعْضِ الآثارِ أنّ رجُلًا أرادَ أن يتزَوجَ امرأةً يُقالُ لها أمّ قيسٍ؛ فأبَتْ علَيهِ حَتى يُهاجِرَ؛ فكانُوا يُسمُّونَهُ مُهاجِرَ أم قِيس.

أما مَن خَرَجَ مُهاجِرًا إلى اللهِ تعالَى؛ ولنصرَةِ دينِهِ والجهادِ فِي سَبيلِهِ, فأجْرُهُ مُدَّخَرٌ لَهُ عِندَ اللهِ تعالَى ما دامَ مُستَصْحِبًا النيّةَ التِي خَرَجَ بِها من دارِهِ، فإنْ أرادَ الزواجَ معَ ذلكَ فَلا شَيءَ عَلَيهِ؛ ولا يُخالِفُ هذا حُكْمَ النيّةِ الأولَى ولا يَقْطَعُها، إلا أنْ يَنْوِيَ هُوَ قطْعَ نِيّةِ الهجْرَةِ والجِهادِ وينصِرِفَ عنها إلى الاشتِغالِ بأمورِ دُنْياهُ؛ فإنما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى، أما مَعَ بقاءِ النيّةِ الصالِحَةِ والسعْيِ فِي القيامِ بواجِبِ الجِهادِ فلاَ، بلْ هُو مأجُورٌ أجرًا آخَرَ إن شاءَ اللهُ تعالَى إنْ نَوَى بالنكاحِ المُضِيَّ فِي الهِجْرَةِ والاستِعانَةَ بِهِ علَيها، وكُلما كانتْ النيةُ أعظَمَ كانَ الأجرُ علَى قَدْرِها، فَمنْ نوى بالنكاحِ تكْثِيرَ الذريّةِ المسلِمَةِ التِي تجاهِدُ فِي سبيلِ اللهِ كانَ أعظَمَ لأجرِهِ، كما بوبَ البخارِيُّ فِي الصحيح, وابنُ أبي عاصِمٍ أيضًا: بابُ من طلَبَ الولدَ للجهاد، وأخرجَ فِيهِ حديثَ أبي هُرَيرَةَ فِي خَبَرِ سلَيمانَ علَيهِ السلامُ وفيهِ قوله: لأَطُوفَنّ الليلَةَ علَى مائةِ امْرَأَةٍ أوْ تِسْعٍ وَتِسعينَ كُلُّهُنّ يَاتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وهذا الحديثُ قَدْ سيقَ مساقَ الثناءِ علَى نَبي اللهِ سليمانَ عليهِ السلامُ، وفِي شَريعَةِ الإسلامِ ما يُؤَيدُهُ، فدَلَّ علَى أنهُ أُسْوَةٌ فِي ذلكَ للمُسلمينَ.

وفي شرحِ البخاري لابنِ بطالٍ: وقدْ يَكُونُ الولَدُ بِخِلافِ مَا أَمّلَهُ فِيهِ، فيكونُ كافرًا، ولكنْ قدْ تَمّ لَهُ الأَجْرُ فِي نِيّتِهِ وَعَمَلِهِ. انتهى.

وعلقَ الحافظُ فِي الفَتْحِ على الترجَمَةِ بقَولِهِ: أيْ يَنْوِي عِنْدَ الْمُجَامَعَةِ حُصُولَ الوَلَدِ لِيُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ, فَيَحْصُلَ لَهُ بِذَلكَ أَجْرٌ, وَإِنْ لَمْ يَقَعْ ذَلكَ. انتهى.

وفي هذا أعظَمُ دليلٍ علَى أنّ الجهادَ كانَ من شرائعِ الأنبياءِ السابِقينَ؛ وعلَى مكانَةِ الجِهادِ في الإسلامِ؛ حَتّى جُعِلَتْ أَخَصُّ خَلْوَةٍ للرجُلِ بأَهْلِهِ؛ وأعْظَمُ اللذاتِ الحِسّيّةِ خادِمَةً لهَذهِ الغايَةِ، فالحمدُ للهِ علَى نِعْمَةِ الإسلامِ.

وأصْحابُ النّبِي صلّى اللهُ علَيهِ وسلمَ لما هاجَرُوا إلى المدِينَةِ لمْ تَمْنَعْهُم نِيّةُ الهِجْرَةِ من النكاحِ وطَلَبِ الوَلَدِ، وهكذا فعلَ النبِي صلى اللهُ علَيهِ، والجهادُ إنما شُرِعَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، بلْ ما كانُوا يَتْرُكونَ النكاحَ حَتّى فِي الغَزْوِ معَ القُدْرَةِ علَيهِ، لأنهُ مَعَ النيَةِ الصالِحَةِ من أمُورِ الآخِرَةِ لا مِن أمورِ الدنيا, ولذا كانَ مما لا زُهْدَ فِيهِ، وكانَ النبي صلى اللهُ علَيهِ أعظَمَ الزهادِ ومعَ ذلكَ حُبّبَتِ النساءُ إلَيهِ، وكانَ مُكْثِرًا مِنه، حتى قالَ ابنُ عباسٍ: تزوجُوا فإن خيرَ هذه الأمةِ أكثَرُها نساءً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت