الصفحة 177 من 207

بَيْنَ الْمَلَوَيْنِ، ولا نعلم أحدا من العلماء طعَنَ في جهادهم للكفار لأنّهم لم تَجْتَمِعْ كلمتُهم على طاعَةِ خَليفةٍ واحد فضلًا عن القول بأن جهادهم كان باطلًا لا يصح!.

بل وجدنا في أقوال العلماء وفتاويهم ما يدحض القولَ المذكور في السؤال ويُبْطلُهُ، فإنّ النصارى البرتغالِيينَ والأسبانَ لما اعْتَدَوْا على بعضِ بلادِ المسلمين في الْمَغْرِبِ فآلَتْ إلى حُكْمِهِمْ وتَحْتَ قَهْرِهِمْ وسُلْطانِهِمْ وأَفْتَى بعضُ الطلَبَةِ بِعَدَمِ جوازِ جهادِهم وقِتَالِهم لِعَدَمِ الإمام، تَصَدَّى لإبْطالِ فَتاوِيهِمْ تِلْكَ جَماعَاتٌ مِنْ كِبارِ عُلَماءِ المالكية -رحمهم الله- في ذَلِكَ الوقتِ وأَفْتَوْا بِبُطْلانِ الدَّعْوَى الْمَذْكُورَةِ وأنَّ مُقَاتَلَةَ العدُوِّ الكافِرِ لا تَتَوَقَّفُ على وُجُودِ السلْطانِ, وإِنّما جماعةُ المسلمِين تَقُومُ بِهِ، قالوا: ومِنَ الْمَعْلُومِ فِي الفِقْهِ أَنّ جماعَةَ المسلمين تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ السلْطانِ إذا عُدِمَ، بل قالَ الفقيه أبو عبد الله الفاسي- رحمه الله- فيمن قال بِتَوَقُّفِ الجهاد على وُجُودِ الإمام وإِذْنِهِ أنّهُ مِنْ أَعْوانِ الشيطانِ، ثم شدّد فيه فذكرَ أن ذلك يكادُ يكون كفرًا!.

ثم رأيت دحضَ هذه الشبهةِ وإبطالَ القول المذكور في فتاوى بعضِ علماء نَجْدٍ في المجلد الثامن من الدرر السنية وفيه فوائدُ اقْتَبَسْتُ هنا بَعْضَها فَليُضَفْ إليه هنا خُلاصَةُ ما فِيهِ فإنَّ الكتابَ ليسَ يَحْضُرُنِي الآن.

السادس: اعلمْ أنّ الأدلَّةَ التي سُقْناها هنا لِدَحْضِ القول المذكورِ إنّما هيَ فِي جِهاد الطلَبِ وبلادُ المسلمين آمنةٌ مُسْتَقَرَّةٌ وعدوُّ الإسلام مقموعٌ مَقْهُورٌ؛ أما في قتال الدفع -وهو دفع الصائل-، فالقول فيه أعظمُ بُطْلانًا لاتفاقِ العلماء قاطِبَةً على أنّ دَفْعَ الصائل فرضُ عينٍ على كلِّ قادَرٍ علَيْهِ مِنْ ذَكَرٍ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ وحُرٍّ وعَبْدٍ وأَميرٍ ومَامُورٍ؛ قيل: وأُنْثى إنْ يَكُنْ بِها قُدْرَةٌ, وأنهُ لا إِذْنَ فيهِ لأَحَدٍ علَى أَحَدٍ، بل ذَكَرَ شيخُ الإسلام أنّ العدُوَّ الصائِلَ الذي يُفْسِدُ الدين والدنيا لا شيءَ أَوْجَبُ بَعْدَ الإيمان مِن دَفْعِهِ. وقال في الاختيارات: (وأمّا قتالُ الدفع فهو أشدُّ أنْواعِ دفْعِ الصائلِ عن الحُرْمَةِ والدين فواجبٌ إجماعًا) . وقال أيضًا: (فالعدو الصائلُ الذي يُفْسِدُ الدينَ والدنيا لا شيءَ أوجب بعد الإيمان مْنْ دَفْعِهِ، فلا يُشْتَرَطُ له شَرْطٌ بَلْ يُدْفَعُ حَسْبِ الإمكان، وقد نصّ على ذلكَ العلماءُ أصحابُنا وغيرُهم) .

وقال ردًا على القاضي الذي قال: إذا تَعَيَّنَ فرضُ الجهاد علَى أَهْلِ بَلَدٍ فَمِنْ شَرْطِ وجُوبِهِ الزادُ والراحلة, إذا كانُوا على مَسافَةِ القَصْرِ قِياسًا علَى الْحَج. فقال ابن تيمية: (القياسُ على الحج لم يُنْقَلْ عن أحد وهو ضَعيف فإن وجوبَ الجهاد يكونُ لدفع الضررِ فيكونُ أوجبَ من الهجرة، ثم الهجرةُ لا تُعْتَبَرُ فيها الراحلةُ فبعضُ الجهاد أولى .. ) .

أقول: فيقال هنا كذلك: والهجرةُ واجِبَةٌ فِرارًا بالدين من الفتن ولا يُشْتَرَطُ لها وُجُودُ الإمام، والجهادُ قد يجبُ أيضًا لِدَفْعِ الفتنة عن المسلمين بل هو أوجبُ من الهجرة فلا يُشْتَرَطُ له الإمامُ من باب أولى، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت