الصفحة 176 من 207

عجِزَ المكلَّفُ عن الأعلى لم يسقطٍ عنه التكليفُ بالكليةِ؛ بل ينتقِلُ إلى الأدنى؛ وهي المدْلُولُ عليها بقولِهم: الميسور لا يسقط بالمعسور، وهذا كلَّهُ على سبيلِ التَّنَزُّلِ مع الْمُخالفِ، وإلا فالقيامُ مقامَ الامتناعِ عن التسليمِ لعدمِ الدليل كافٍ والله أعلم.

الثالث: أن الأئمة -رحمهم الله- مُتَّفِقُونَ على أنّ الإمامَ إذا نَهَى عن الجهادِ الْمُتَعَيِّنِ فقد أَمَرَ بمعصيةٍ فلا طاعةَ له، فإنه لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالق، قال ابنُ رُشْدٍ: (طاعةُ الإمام لازمةٌ إن كان غيرَ عدلٍ ما لم يأمرْ بمعصية، ومن المعصيةِ النهيُ عن الجهاد المتعين) . [1]

وقال ابن حزم في المحلّى (5/ 352) : لا إثْمَ بعدَ الكفرِ أعظمُ من إثْمِ من نَهى عن جهادِ الكفار. انتهى.

فإذا كان فرضُ الجهادِ لا يسقطُ مع وجودِ الإمام لو نَهى عنه؛ فعدمُ سُقُوطِهِ مع عدمِ الإمامِ أولى.

الرابع: أنّ الجهادَ شُرِعَ لِمَصْلَحَةٍ عظيمةٍ؛ لما فيه مِنْ حِفْظِ الكُلِّياتِ الخمسِ التي تَجْمعُ مصالِحَ الدين والدنيا؛ فإنَّ فيه دَحْرًا للعدَوِّ وَكَبْتًا له وردعًا له عن العُدْوانِ على بلادِ الإسلام, وحَمْلًا له على الدخولِ في الدينِ الحق، مع ما فيه من تأمينِ السُّبُلِ وبَسْطِ الأَمْنِ والخيرِ والدَّعَةِ في بلادِ المسلمين, وغيرِ ذلك من المصالِحِ التي لا تَخْفَى, وتَأَخُّرُ الجهادِ وإن عُدِمَ الإمامُ فيه تفويتٌ لهذه المصالِحِ فلا يُجوز. نصَّ عليه ابنُ قُدَامَةَ في الْمُغْنِي، فقال رحمه الله (10/ 369) : (فإن عُدِمُ الإمامُ لم يُؤَخَّرِ الجهادُ لأنَّ مَصْلَحَتَهُ تُفُوتُ بَتَاخِيرِهِ) . ونحوُهُ في الشرحِ الكبيرِ للشمسِ بنِ قُدَامَةَ. وفي الكافي (4/ 315) : وإن عُدِمَ الإمامُ لم يؤخر الجهاد.

الخامس: أنّه لا زالَ علماءُ المسلمين على مرِّ العصور وكرِّ الدهورِ يُفْتُونَ بوجوب الجهاد؛ ولم يتعرَّضْ أحدٌ منهم للشرطِ المذكور، ولازال الصالحون من أُمَراءِ المسلمين بعدَ عصرِ الصحابةِ - رضي الله عنهم - يقومون به؛ كُلٌّ بِحَسْبِهِ مع تَفَرُّقِ المسلمين وَعَدَمِ اجتماعِهِمْ على إمامٍ واحد, بل اتَّفَقَتْ الأَلْسِنَةُ على الثناءِ عليهم؛ ومَدَحَ العُلَماءُ جهادَهم، كما كان في الْخِيارِ من مُلُوكِ الأندلُسِ، وكما كان في الدَّوْلَةِ الغَزْنَوِيَّةِ التي كان منها القائد المجاهد الكبير محمود الغزنوي -فاتح الهند- الذي أثنى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وفي الدولة الأيوبية التي كان منها السلطان صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله- الذي قاتل الصليبيين في معارك كثيرة أشهرها حطين في سنة (583) وشاركه في جهاده جماعاتٌ من العلماء رحمهم الله، وفي الدولة الْخَلْجِيَّةِ وأشهرُ سلاطِينِها علاءُ الدين الخلْجِيُّ وكانَ لها دورٌ كبيرٌ في مُحاربة كفار الهند, وكذلك في دولة السلاجِقةِ ودولَةِ العُثْمانَيينِ وغيرهم؛ فكلُّ هؤلاء كانَ لهم في جهاد الأعداء صفحاتٌ بيضاءُ خُلِّدَتْ في التاريخ وكانت سببًا في تَقْويضِ دعائم الكُفْر والمحافظَةِ على صَرْحِ الإسلام الشامَخِ ورايَتِهِ عَالِيَةً خَفَّاقَةً

(1) - وفي تاريخ دمشق 5/ 22 سئل وكيع بن الجراح عن قتال العدو مع السلطان الجائر؟ قال: إن كان جائرًا وهو يعمل في الغزو بما يحق عليه فقاتل معه، وإن كان يرتشي منهم ويهادنهم فقاتل على حِيالِكَ. فلم يشترط للقتال إمامًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت