الصفحة 165 من 207

والدُّنْيَوِيَّةِ، لا يَنْفُذُ لَهُ تَصَرُّفٌ إلا إنْ كانَ مُوافِقًا لِمَصْلَحَةِ أهْلِ الإسلام؛ كما فِي قواعِدِ مَجَلَّةِ الأحْكامِِ: التَّصَرُّفُ عَلَى الرَّعِيَّةِ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ، قالَ فِي شَرْحِهِ فِي دُرَرِ الحُكامِ: ومالَمْ يَكُنْ كذلكَ لا يَكُونُ صَحِيحًا، وهذا الذِي ذكَرْناهُ تُقِرُّهُ أُصُولُ الشرْعِ وقَواعِدُهُ، وهُوَ مِن بَعْدُ مِن السُّنَنِ الاجْتِماعِيَّةِ التِي تَسْتَقِيمُ بِها حَياةُ الأمَمِ؛ بلْ هُوَ مِن أرْكانِ العَدْلِ الذِي يُقِرُّهُ الأكابِرُ فِي الأُمَمِ الكُبْرَى، وهُو مِن أَسْرارِ قُوتِها وبَقائها، وهذا مَوْضِعٌ يَحْتاجُ إلَى بَسْطٍ وتَطْوِيلٍ؛ لَعَلّى أُفْردُهُ فِي مقامٍ آخَرَ إنْ شاءَ اللهُ.

وقَولُ القائلِ: يُرْجَعُ إلَى الأَمْرِ الأوَّلِ عِنْدَ الاخْتِلافِ؛ يُقالُ فِي جَوابِهِ: نَعَمْ؛ صَدَقَ نُعَيْمُ بِنُ حَمّادٍ رَحِمَهُ اللهُ، ونَحْنُ قَدْ صَنَعْنا ذلكَ؛ ورَجَعْنا إلَى ما كانَتْ عَلَيهِ الجَماعَةُ قَبلَ أنْ تَفْسُدَ أحْوالُ المسلِمينَ وتَفْتَرِقَ كَلِمَتُهُمْ؛ وقَبلَ أن يَقَعَ التخاذُلُ بَينَهُم؛ وقَبْلَ أن يَكُونَ فِي سلاطِينِهِم مِن يَبِيعُ الأمةَ كُلَّها بأبْخَسِ الأثْمانِ!؛ فَوَجَدْنا ما كانَ عَلَيهِ الأَمْرُ الأوَّلُ - وهُمْ أصْحابُ النّبِي صَلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ ومَن تَبِعَهُم بإحْسانٍ؛ وكافّةُ عُلَماءِ المُسلمِينَ عَلى مَرِّ عُصورِ الإسلامِ - أنَّ كَلِمَتَهُم قَدِ اتَّفَقَتْ عَلى ما ذكَرْناهُ لكَ؛ مِن أنَّهُ إذا اعْتِدِيَ عَلى بَلْدَةٍ من بِلادِ المُسْلمينَ صارَ الجِهادُ فَرْضَ عَينٍ عَلى كُلِّ قادِرٍ مِنهُمْ؛ حَتَّى يُجْلُوهُم عَنها ويرُدُّوها إلَى حَظِيرَةِ البِلادِ الإسلامِيّةِ، والعُدْوانُ عَلى بَعْضِ بِلادِ الإسلامِ عُدْوانٌ عَلى جَمِيعِها؛ فإنْ لَم يَتَمَكّنِ الأوَّلُونَ مِن دَفْعِ العَدُوِّ صارَ فَرْضًا عَلى مَن يَلِيهِم كما بَيّنّاهُ، والأدِلّةُ عَلى هَذا أَشْهَرُ من أنْ تُذْكَرَ، وقد قالَ عَليهِ الصلاةُ والسلامُ: المسلمُ أخو المسْلِمِ؛ لا يَظْلِمُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ ... الحديث. رواهُ الشيخانُ وغَيرُهما؛ وهذا لفظُ مُسلِم، قَالَ الْعُلَمَاء: الْخَذْلُ: تَرْك الإِعَانَة وَالنَّصْر, وَمَعْنَاهُ: إِذَا اِسْتَعَانَ بِهِ فِي دَفْعِ ظَالِم وَنَحْوه لَزِمَهُ إِعَانَتُهُ إِذَا أَمْكَنَهُ, وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْر شَرْعِيّ. انتهَى. وأيُّ خُذْلانٍ أعْظَمُ مِن تَركِ العَدُوِّ يَستَبِيحُ دَماءَ أهْلِ الإسْلامِ؛ ويَصْنَعُ بِهِم ما يشاءُ تَقْتِيلًا واسْتِحْياءً وتَشرِيدًا مِن نَحْوِ قَرْنٍ مِن الزّمانِ! بِحُجَّةِ أنَّ الجِهادَ مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ عَلى المُسْلمينَ؟!، إنْ كانَ الذِي يَبِيتُ وجارُهُ جائِعٌ لا يُؤْمِنُ؛ حَتَّى أقْسَمَ النبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ عَلى ذلكَ ثَلاثًا!، فَكِيفَ بِمَنْ يَنامُ مِلءَ عَينَيْهِ وجارُهُ تَغْتَصَبُ أَرْضُهُ؛ وَتُهْدَمُ دارُهُ؛ وَيُسْتَباحُ دَمُهُ؛ ويُيَتَّمُ وَلَدُهُ؛ ويُعْتَدَى عَلى حَرِيمِهِ؟!؛ فَكِيفَ إِذا كانَ ذلكَ يَقَعُ لأمّةِ مِن المُسْلِمينَ لا لِجارٍ واحِدٍ فَحَسْبُ؟!؛ وكَيفَ والعَدُوُّ قَدْ اسْتَباحَ أُمَمًا لا أُمَّةً؛ وقَدْ حَلَّ دُورًا لا دارًا؟!، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلاّ باللهِ.

اللهُمَّ إنا نَعُوذُ بِكَ مِنْ مَوْتِ النّخْوَةِ؛ وذَهابِ الغَيْرَةِ؛ ومِن فُتُورِ الهِمَمِ وخَوَرِ العَزائِمِ، ونُعِيذُ القائلَ بِما جاءَ في السؤالِ من ذلكَ أيضًا، ولَيْتَ قائلَ ذلكَ يُطالِعُ تارِيخَ الإسلامِ، فإنَّ التارِيخَ مِسْبارُ الحَقائِقِ؛ وقَدْ قِيلَ: تَجارِبُ المُتَقَدِّمِينَ مَرايا المُتأخِّرِينَ، وإذا كانَ المُؤْمِنُ لا يُلْدَغُ مِن جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ، وكانَتْ سِياسَةُ الأمَّةِ مَقِيسَةً علَى سِياسَةِ الفَرْدِ ومُعْتَبَرةً بِهِ، فَإنَّ مُقْتَضَى ذلكَ أنْ لاَ تُلْدَغَ الأُمَّةُ مَرّتَينِ مِن جُحْرٍ واحِدٍ مِن بابِ أوْلَى، وقَدْ ثَبَتَ فِي التارِيخِ أنَّ تَخاذُلَ المُسْلِمينَ عَن مُناصَرَةِ بَعْضِهِم بَعْضًا كانَ مِن أعْظَمِ أسْبابِ ذهابِ قُوَّتِهِمْ وَضَعْفِ دَولَتِهِم وما آلَ إلَيهِ حالُهُمْ، ولَئِنْ كانَتِ التجْرِبَةُ الأوْلَى هَذهِ قَدِ انْتَهَتْ بِنا إلَى ما نَراهُ، فإنَّ تَكْرارَها والإصْرارَ عَلى التخاذُلِ - معَ ما نحْنُ فِيه - مدْعاةٌ إلَى الهُزْءِ والسخْرِيَةِ والشماتَةِ بأُمَّةِ المُسْلمينَ.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللهُ عَنه: قالَ الإمامُ أحْمدُ بنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ: سُبْحانَ اللهِ، هَؤلاءِ قَوْمُ سُوءٍ!؛ هؤلاءِ القَعَدَةُ مُثَبِّطُونَ جُهّالٌ، فَيُقَالُ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنّ الناسَ كَلَّهُمْ قَعَدُوا كَمَا قَعَدْتُمْ، مَنْ كانَ يَغْزُو؟ أَلَيْسَ كانَ قَدْ ذَهَبَ الإِسْلامُ؟، مَا كَانَتْ تَصْنَعُ الرُّومُ؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت