الصفحة 164 من 207

الذِي جَعَلَ الشارِعُ لَهُ حَدًّا نَحَدُّهُ بِهِ؛ كأنْصِبَةِ الزّكاةِ لدفعِ حَاجَةِ مُسْتَحِقِّيهَا؛ وخُمُسِ الغَنِيمَةِ لِسدِّ حاجَةِ الأصْنافِ المذكُورَةِ فِي الآيَةِ؛ وأرْبَعَةِ أخْماسِها لسدِّ حاجَةِ الغانِمِينَ؛ ونَحْوِ ذلكَ، وما لا حَدَّ لَهُ مِن الأسْبابِ فَحَدُّهُ حَصُولُ المُسَبَّبِ المَطْلُوبِ؛ وَفِي هذا الثانِي نَسْتَدِلُّ بِحُصولِ المُسَبَّبِ المطْلُوبِ علَى اكْتِمالِ القَدْرِ الواجِبِ مَن السبَبِ، كحُصولِ الشفاءِ يُستَدَلُّ بِهِ عَلى القَدْرِ المَطْلُوبِ من الدواءِ، وكالشبَعِ يُستَدَلُّ بِحُصولِهِ علَى القَدْرِ المطْلُوبِ من الدواءِ، ومِثْلُ هذا انْدِحارُ العَدُوِّ الصائلِ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى القَدْرِ الواجِبِ بَذْلُهُ من القِتالِ لِدَفْعِهِ، وما لَمْ يَنْدَفِعْ - كما هُو الآنَ فِي فِلَسْطِينَ - فَذلكَ دَلِيلٌ علَى أنَّ الكفايَةَ لَمْ تَتَحَقَّقْ بَعْدُ، وأنَّ المُسْلِمينَ لا يَزالُونَ مُخاطَبِينَ بِوُجُوبِ الجِهادِ حَتّى تَقعَ الكِفايَةُ المْطلُوبَةُ.

وهذا هُو مَعْنَى قَولِهِمْ فِي جِهادِ فَرْضِ الكِفايَةِ: إذا قامَ بِهِ البَعْضُ سَقَطَ عَن الباقِينَ، فَإنَّهُ لا يَعْنَى كما قَدْ يُظَنُّ أنَّ مُجَرَّدَ قِيامِ بَعْضِ المُسْلمينَ بِمُقاتَلَةِ العَدُوِّ يُبِيحُ للآخَرِينَ القُعُودَ! سَواءٌ حَصلَ المَقْصُودُ أمْ لا، حَتَّى إنَّ تارِكَهُ مَعَ القُدْرَةِ لا يَاثَمُ كما لَو تَركَ سائِرَ التطَوُّعاتِ!، إِذِ المَقْصُودُ مِن القِتالِ إخْراجُ العَدُوِّ مِن دِيارِ المُسْلِمينَ؛ لا مُجَرَّدُ مُناوَشَتِهِ القِتالَ فَحَسْبُ، فَمَعْنَى قَولِهِم: فَرْضُ كِفايَةٍ ? أنْ يَقُومَ بِهِ عَدَدٌ مِن المُسْلمينَ يَكْفِي لِدَحْرِ العَدُوِّ ورَدِّهِ.

علَى أنَّ الصوابَ الذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ والذِي دَلَّ عَلَيهِ الكتابُ والسنّةُ وَأَجْمَعَ عَلَيهِ عَلماءُ المُسلِمينَ أنَّ العَدُّوَّ إذا نَزَلَ بَلْدَةً مِن بلادِ المُسْلمينَ - كما هُو الحالُ فِي فِلسطينَ الآنَ - صارَ دَفْعُهُ وقِتالُهُ فَرْضَ عَينٍ عَلى كُلِّ قادِرٍ مِن أهْلِ تِلْكَ البِلادِ، فإنْ لَمْ يَتأَدَّ الفَرْضُ بِهِم - وهُو طَرْدُ العَدُوِّ وإخْراجُهُ مِن بِلادِ المُسلِمينَ؛ كما هُو واقِعٌ الآنَ - فَلَيسَ مِن قَوْلِ أحَدٍ مِن عُلَماءِ المِلَّةِ القُعُودُ عَن مُناصَرَتِهِمْ كما قالَ ابنُ العَرَبِيِّ المالِكِيِّ، بَلْ يَصِيرُ عَوْنُهُم فَرْضَ عَيْنٍ عَلى كُلِّ قادِرٍ عَلَى غَوثِهِم مِمَّنْ يَلِيهِم مِن المُسْلمينَ، حَتَّى يَنْدَحِرَ العَدُوُّ ويَخْزَى؛ أوْ يَعُمَّ الفَرْضُ جَمِيعَ أهْلِ الإسلامِ مَشْرِقًا ومَغْرِبًا، ويَكُونُ حُكْمُهُ حَينَئِذٍ حُكْمَ فَرْضِ العَينِ؛ لا يُشْتَرَطُ لَهُ شَرطٌ؛ ولا إذنَ فِيهِ لأحَدٍ عَلى أحَدٍ؛ فَمَن قَدَرَ عَلَيهِ بِنَفِسهِ ومالِهِ كانا واجِبَينَ عَلَيهِ؛ ومَن عجَزَ عَن أحَدِهِما فلا يَسقُطُ عَنه ما يَقْدِرُ عَلَيهِ.

نَعَمْ؛ مَنْ حِيلَ بَيْنَهُ وبَينَ القِيامِ بِهذهِ الفَرِيضَةِ لأَمْرٍ خارِجٍ عَن القُدْرَةِ؛ فَلا حَرَجَ عَلَيهِ، وحُكْمُ الخارِجِ عن قُدْرَتِهِ حُكْمُ ما عَجَزَ عَنهُ، ولا تَكْلِيفَ مَعَ العَجْزِ، والواجِبُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ ما يَقْدِرُ عَلَيهِ منَ الإعْدادِ للجِهادِ؛ وَالمُناصَرَةِ بالمالِ والدَّعْوَةِ والدُّعاءِ؛ فإنَّ المُيسُورَ لا يَسقُطُ بالمَعْسُورِ، وعَلَيهِ مَعَ ذلكَ أنْ يَتَحَيَّنَ زَوالَ المانِعِ وحُصُولَ القُدْرَةِ؛ ولا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها.

وهذا الفَرْضُ مُخاطَبٌ بِهِ عُلَماءُ المُسلِمينَ قَبْلَ غَيرِهِم؛ وهُوَ واجِبٌ عَلَى كُلِّ قادِرٍ مِنْهُم؛ فإنَّ فِي نَفِيرِ العُلَماءِ قُدْوَةً لِغَيرِهِم مِن عَوامِّ المُسْلمينَ، وعلَيهِم فَوقَ ذلكَ َواجِبٌ آخرُ؛ وهوَ السّعْيُ فِي إِزالَةِ كُلِّ عائقٍ يَحُولُ بَينَ المُسْلمينَ وبَينَ أَدَاءِ هَذهِ الفَرِيضَةِ، وسَبِيلُ ذلكَ أنْ تَكُونَ لَهُمْ رابِطَةٌ واحِدَةٌ فِي بِلادِ الإسلامِ تَجْعَلُ لَهُمْ كَلِمَةً واحِدَةً نافِذَةً فِي المسائلِ الكُبْرَى خاصَّةً التِي تتَعَلَّقُ بالمَصالِحِ العامَّةِ لأهْلِ الإسلامِ؛ ويأطِرُونَ بِها القائِمينَ عَلى بِلادِ الإسلامِ عَلى الحَقِّ أطْرًا، وهذهِ هِيَ مَنزِلَةُ عُلماءِ أهْلِ الإسلامِ؛ فإنَّهُم أهْلُ الحَلِّ والعَقْدِ، وسُراةُ الأمَّةِ وأكابِرُها؛ وفِي صَلاحِهِم صَلاحُ حالِ الأمَّةِ حُكامًا ومَحْكُومِينَ، وفِي فَسادِهِم فِسادُ ذلكَ كُلِّهِ، ولِذا وَجَبَ أنْ يَكُونُوا مِن هَذهِ الجِهَةِ مِن الضلِيعِينَ بِعُلُومِ الشرْعِ، وسياساتِ الأُمَمِ؛ وما يُحْتاجُ إلَيهِ مِن ضَرُواراتِ الاجْتِماعِ والقَضاءِ والإدارَةِ؛ مِن ذَوِي العَدالَةِ وَالرأيِ والحِكْمَةِ، مَرْجِعًا مُسْتَقِلاًّ يُشْرِفُ عَلى إنْفاذِ مَصالِحِ الأُمَّةِ العامَّةِ؛ وإنَّما السلْطانُ وَكِيلٌ عِن أُمَّةِ المُسْلمينَ فِي القِيامِ عَلَى مَصالِحِها الدِينِيَّةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت