الصفحة 166 من 207

وهذا قالَهُ أحمْدُ رَحِمَهُ اللهُ جَوابًا لَمّا سُئِلَ عَنِ الرّجُلِ يَقُولُ: أنَا لاَ أَغْزُو وَيَاخُذُهُ وَلَدُ العَبّاسِ؛ إِنّما يُوَفّرُ الفَيْءَ. فَهْذا إنما قالَهُ فِي القعُودِ عَن جِهادِ الطلَبِ الذِي هُو الغَزْوُ، فَتأمَّلْ قَولَهُ: ألَيسَ كانَ قَدْ ذهَبَ الإسلامُ، ما كانتْ تصنعُ الرومُ؟؛ تَجِدْهُ عَينَ الواقِعِ الآنِ، الإسلامُ يُصْطَلَمُ فِي بلادِ المُسلِمينَ بَلْدَةً علَى إثْرِ بَلْدَةٍ، والعَدُوُّ يَبْتَلِعُها دارًا بَعْدَ دارٍ!، فإذا كانَ مَن يَصْنَعُ ذلكَ ويَتْرُكُ جِهادَ الطلَبِ مُثَبِّطًا جاهِلًا!، فَماذا يُقالُ فيمَنْ يَقْعُدُ عن جِهادِ الاضطْرارِ الذِي هُو جِهادُ الدفْعِ، ثُمَّ يُفْتِي المُسْلمينَ بِتَرْكِهِ والقعُودِ عَنْهُ، ويُخَذِّلُهُمْ عَما يَجِبُ عَلَيهِمْ بِدَعْوَى الفِقْهِ فِي الدّينِ؟!.

ومِن عَجَبٍ أنْ تَكُونَ هذهِ الفَتاوِي فِي وَقْتِ اشتِدَادِ حاجَةِ المُسْلِمينَ إلَى القِيامِ بِهَذهِ الفَرِيضَةِ، وإلَى رَفْعِ الرُّوحِ المَعْنَوِيَّةِ التِي هِيَ - بَعْدَ عَون ِاللهِ تعالَى - عِمادُ النصْرِ فِي الحَرْبِ، ومِن المُناسِبِ أنْ أذكُرَ فِي هذا المقامِ ما حَكاهُ المُؤّرْخُونَ عَن تَخاذُلِ مُلُوكِ الطوائفِ فِي الأنْدَلُسِ؛ وأنَّ ذلكَ كانَ من أعْظَمِ أسْبابِ إضْعافِ رُوحِ الجِهادِ فِي الأمَّةِ، بلْ أُشيعَ فِيها أنَّ القِتالَ ضِدَّ النصارَى الغُزاةِ لا جَدْوى فِيهِ؛ بلْ هُوَ بابُ مَفْسَدَةٍ عَلى المُسْلِمينَ!، كما صَنعَ بَعْضُ مُلُوكِ غِرْناطَةَ مِن بَنِي الأحْمَرِ حِينَ أقامُوا مُعاهَدَةً مَعَ (فِرْنانْدُو) التَزَمُوا فِيها بِمُعاوَنَةِ الصلِيبِيينَ عَلى قِتالِ غَيرِهِم من المُسْلِمينَ، فاستَولَى الصلِيبيُّونَ عَلى أشبيليَةَ عامَ (644) ؛ ثُمَّ عَلى كَثِيرٍ من المُدُنِ الإسلامِيَّةِ؛ التِي كانَ ابنُ الأحْمَرِ الغِرْناطِيُّ يَحُولُ بَينَها وبَينَ القِتالِ لأنَّ مُقاتَلَةَ جُيُوشِ النصارَى مِن قَبيلِ المفْسدةِ بِزَعْمِهِ!، بَلْ كانَ يُقالُ للمُسْلِمينَ هُناكَ إنّ النّصارَى هَؤلاءِ لا يُرِيدُونَ إلا مَصْلَحَةَ أهْلِ الإسلامِ واستِقْرارَ البِلادِ وأَمْنَها!، كما يُقالُ للمُسْلِمينَ اليَومَ حَذْوَ القُذّةِ بالقُذَّةِ!!.

والأُمَمُ كُلُّها تَجْرِي فِي هَذهِ السنَنِ الكَونِيَّةِ عَلى نَسقٍ واحِدٍ، فَما مِن أُمَّةٍ إلاَّ وهِيَ تَحْتاجُ إلَى رَفْعِ الروحِ المَعْنَوِيَّةِ بَينَ أَبْنائِها فِي وَقْتِ الحَرْبِ خاصَّةً، كما حَكَى المُؤَرِّخُونَ عَن التصَوُّفِ المُوهِنِ الذِي كانَ مِن أهَمِّ أسْبابِ سُقوطِ دَوْلَةِ الرُّومانِ قَدِيمًا؛ فَإنَّ هَذهِ الفَلْسَفَةَ - كما اشْتَكَى مِنْها المؤَرِّخُونَ - رَفَعَتْ شِعارَ المُناداةِ بِمَبَادِئِ السلامِ وتَرْكِ مُقاوَمَةِ العَدُوِّ فِي الوَقْتِ الذِي كانَتْ فِيهِ الأُمّةُ الرُّومَانِيّةُ وَأَبَاطِرَتُها العَسكَرِيونَ الذينَ يُدافِعُونَ عَنْها أَحْوَجَ ما يَكُونُونَ إلَى تَقْوِيةِ الروحِ الحرِبِيّةِ التِي تَضْمَنُ لَهُمُ الخَلاصَ والبَقاء!.

هذهِ عِبارَتُهُمْ بالحَرْفِ كما نَقَلْتُها مُتَرْجَمَةً من كِتابِ قِصَّةِ الحَضارَةِ، ألَيْسَ ما يُنادَى بِهِ فِي هذهِ الأيامِ هُو عَيْنَ ما ذكَرُوهُ:

رَفْعُ شِعاراتِ المُناداةِ بِمَبادِئِ السلامِ! ...

وتَرْكُ مُقاوَمَةِ العَدُوِّ! ...

والذِينَ يَرْفَعُونَ رَايَةَ الجِهادِ اليَوْمِ للدفاعِ عَن أُمَّةِ الإسلامِ أحْوجُ ما يَكُونُونَ إلَى تَحْرِيضِ أهْلِ الإسلامِ علَيهِ؛ وإلَى رَفْعِ الروحِ الجِهادِيَّةِ التِي تَضْمَنُ للمُسْلِمينَ الخَلاصَ والبَقاءَ والنصْرَ!.

فَمِثْلُ هذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حاضِرًا حِينَ الفَتْوى فِي النوازِلِ الواقِعَةِ فِي حَياةِ المُسْلِمينَ، أمّا اعْتِبارُ مَصْلَحَةٍ والغَفْلَةُ عَنْ

مَصَالِحَ تِلْكَ المَصْلَحَةُ بالنَسْبَةِ لَها كالتَحْسِينِيِّ مَعَ الضرُورِيِّ! فَمِن شَأنِهِ أنْ يُؤَدِيَّ إلَى (أَنْدَلُسٍ) أُخْرَى فِي بِلادِ الإسلامِ، عافانا اللهُ وسائرَ المُسلِمينَ من ذلكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت