وإنَّما يَدّعِي ذلكَ عَلَيهِمُ المُغْرِضُونَ مِن مُخالِفِيهِمْ، ثُمَّ ما مَعْنَى ما جاءَ فِي المَوسُوعَةِ؛ كما نَقَلْتُهُ أعْلاهُ: وأَصْحابِ الدِّياناتِ الأُخْرَى بِلا تَمْيِيزٍ؟!!، أفِي الدّياناتِ الأُخْرَى غَيرِ الإسلامِ مَن لا يَجُوزُ تَكْفِيرُهُ أيْضًا؟!؛ ولَيسَ إلاّ الإسلامَ أو الكُفْرَ، فَما المُرادُ بالتّمْيِيزِ؟!.
وعَلى كُلِّ حالٍ فَلَعَلَّ العِبارَةَ المَذكُورَةَ بَقِيتْ علَى حالِها بَعْدَ التّرْجَمَةِ دُونَ التّنَبُّهِ لَها؛ وَعَسَى أنْ يَسْتَدْرِكَ القائِمُونَ علَى المَوسُوعَةِ ذلكَ فِي إصْداراتٍ قادِمَةٍ فَيُبادِرُوا إلَى إصْلاحِهِ عَمَلًا بِقَولِ اللهِ تعالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} .
السادِسُ: والاجْتِياطُ فِي أمْرِ الدِّماءِ وإنْ كانَ مِن أوجَبِ الواجِباتِ فِي الجِهادِ؛ وقَدْ أُمِرَ المُجَاهِدُونَ بالتَّثَبُّت في القتل؛ لئلاَّ يَسْفَكُوا دَمًا حَرَامًا بتأويل ضَعِيفٍ كَما دَلَّتْ علَيْهِ الآيَةُ؛ إلاّ أنَّ الخَطَأَ قَدْ يَقَعُ مِن المُجاهِدِينَ عَن غَيرِ قَصْدٍ؛ فَيُقْتَلُ فِي الجِهادِ مَن لا يَسْتَحِقُّ القَتْلَ، وهذا حُكْمُهُ حُكْمُ القَتْلِ الخَطأِ؛ كما قالَ تعالَى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} ؛ بِصِيغَةِ الجُحُودِ مُبالَغَةً فِي النفْيِ؛ ومَعْناهُ أنَّ قَتْلَ المُسلمِ للمُسلمِ داخِلٌ فِي حَيِّزِ ما لا يَكُونُ؛ ومُنَزَّلٌ مَنْزِلَتَهُ، ولا يُسْتَثْنَى مِن ذلكَ إلاَّ ما وَقَعَ خَطأً، ثُمَّ بَينَ فِي الآيَةِ حُكْمَ الخَطَأِ، وهذا لا يَجُوزُ الطعْنُ بَسَبِبِهِ علَى المُجاهِدِينَ ولا التشنِيعُ بِهِ؛ بلْ وَوُقُوعُ مِثْلِهِ من أمِيرِ الجُنْدِ لا يُوجِبُ عَزْلَهُ إنْ كانَ أهْلًا للوِلايَةِ وفِي تَولِيَتِهِ مَصْلَحَةٌ للمُسلمِينَ؛ كما وَقعَ لخالِدِ بنِ الولِيدِ رَضِيَ اللهُ عَنه.
وإنَّما يَشَنِّعُ علَى المُجاهِدِينَ بِمِثْلِ هَذا المُرْجِفُونَ والمُنافِقُونَ ومَن يَتَصَيَّدُ عَثَراتِهِمْ لِيتَّخِذَ مِنْها وسَيلَةً للطعْنِ فِي دِينِ الإسلامِ وصَدِّ الناسِ عَنْهُ؛ كما وَقَعَ لما بَعْثَ النبِيُّ صلّى اللهُ علَيهِ وسلمَ عَبدَ اللهِ بنَ جَحْشٍ رَضيَ اللهُ عَنْهُ فِي نفَرٍ من أصْحابِهِ إلَى بطْنِ نَخْلَةَ فِي جُمادَى الآخِرَةِ من السنَةِ الثانِيَةِ من الهِجْرَةِ؛ فوجَدُوا عِيرَ تِجارَةٍ من الطائِفِ وعلَيها عَمْروُ بنُ الحَضْرَمِيِّ؛ فَقَتَلُوهُ وأسَرُوا اثْنَينِ من أصْحابِهِ وغَنِمُوا، وكانَ ذلكَ أولَ يَومٍ مِن رَجَبٍ؛ وهُم يحْسَبُونَهُ من جُمادَى الثانِيَةِ، فشنّعَ علَيهُمْ المشركُونَ بذلكَ، وقالُوا: استَحَلَّ مُحَمّدٌ الشهْرَ الحَرامَ!؛ يُثَوّرُونَ بِذلكَ قَبائلَ العَرِبِ ومَن فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ، فأنْزَلَ اللهُ تَعالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} ؛ وهذا السؤالُ إنْ كانَ مِن المُسلمِينَ فَهُوَ تَشرِيعٌ وبَيانٌ لِحُكْمِ القِتالِ فِي الشهْرِ الحَرامِ، وإنْ كانَ السؤالُ قَدْ وقَعَ مِن المُشرِكينَ فَهُوَ اعْتِرافٌ وتَبْكِيتٌ لَهُمْ؛ فإنّهُم كانُوا يَتوقّعُونَ الجَوابَ بإباحَةِ القِتالِ فَيُثُوِّرُونَ الناسَ ويُؤلِبُونَهُمْ علَى النَبِي صلواتُ اللهِ وسلامُهُ علَيهِ وعلَى أصْحابِهِ بِسَبَبِ ذلكَ!؛ فَبَيّنَ حُرْمَةَ القِتالِ فِي الشهْرِ الحَرامِ؛ نَعَمْ، ثُمّ أَنْحَى علَى المُشرِكِينَ باللوْمِ والتْعنِيفِ والتوبِيخِ، وأظْهَرَ ظُلْمَهُمْ وعُدْوانَهُمْ إذْ يَسْتَعْظِمُونَ فِعْلًا ويَسْتَنْكِرُونَهُ وهُمْ ياتُونَ ما هُو أفْظَعُ ويَرتَكِبُونَ ما هُوَ أقْبَحُ!؛ مِن الكُفْرِ باللهِ الذي جَعَلَ الكَعْبَةَ حَرامًا؛ ولأجْلِ قَصْدِها بالحَجّ حَرّمَ الأشْهُرَ الحُرُمَ، ثُمَّ هُمْ يَصُدُّونَ أهْلَ الإسلامِ عَنْها؛ ويُعَذّبُونَهُم لَيَفْتِنُوهُمْ عَن دِينِهِمْ؛ ويُؤذُونَ أهْلََ البَيْتِ الحَرامِ وعُمّارَهُ بالتوْحِيدِ والصلاةِ وأنْواعِ الطاعاتِ والقُرُباتِ، ويُخْرِجُونَ النَبِيّ صلّى اللهُ عَلَيهِ وسلّمَ وأصْحابَهُ مِنْهُ!، فَأيْنَ ما وَقَعَ من الصحابَةِ رَضِيَ اللهُ عنْهُمْ خَطَأً؛ ٍ مِن هذَهِ العَظائِمِ التِي ياتِي بِها المُشْرِكُونَ؟!.