القِتالَ بِنَفْسِهِ أوْ كانَ رِدْءًا لَهُمْ، كمّا بَيّنّاهُ فِي مَواضِعَ أُخْرَى مِن النَوازِلِ، فَهَذا المُعاضِدُ والمُناصِرُ لَهُمْ حُكْمُهُ حُكْمُ العَدُوِّ الذِي تَولاهُ فِِي المُقاتََلَةِ والقَتْلِ؛ وفِي تَكْفِيرِهِ تَفْصِيلٌ وَخِلافٌ بَينَ العُلَماءِ.
الرابِعُ: وإذا عَرَفْتَ هَذا عَرَفْتَ المُصِيبَ مِن المُخْظِئِ؛ والمُحِقَّ مِن المُبْطِلِ، ومَنْ عَرَفَ الحَقَّ عَرَفَ أهْلَهُ، وإنَّما المُجاهِدُ مَن جاهَدَ لإعْلاءِ كَلِمَةِ اللهِ؛ ووَقَفَ عَنْدَ أَوامِرِهِ ونَواهِيهِ لا يَتَجاوَزُها، ولَيْسُ كُلُّ مَن انْتَسَبَ إلَى المُجاهِدِينَ فَهُوَ مِنْهُمْ، ولا كُلُّ ما يُنْسَبُ فِعْلُهُ إلَى المُجاهِدِينَ فَقَدْ فَعَلُوهُ، خاصّةً وأنَّ عَدُوَّ الدّينِ وأنْصارَهُ ومَنْ يَتَولّوْنَهُ مِن المُنْتَسبِينَ إلَى المُسْلمِينَ! يَتّخْذُونَ ذلكَ ذَرِيعَةً إلَى الطّعْنِ فِي أهْلِ الجِهادِ وتَنْفِيرِ العامَّةِ مِنْهُمْ، فَيَنْسِبُونَ إلَيْهِمْ ما هُمْ بَرِيئُونَ مِنْهُ وللقَومِ مِن القُدْرَةِ علَى الكَذِبِ والتّفَنُّنِ فِيهِ ما يَغْبِطُهُمْ إبْلِيسُ عَلَيهِ! أعاذَنا اللهُ مِنْهُ ومِنْهِمْ أجْمَعِينَ، فَعَلَى عَلَماءِ المُسْلِمينَ خاصّةً؛ وغَيرِهِمْ مِن أهْلِ الإسلامِ عامّةً التّثَبُّتُ فِيما يُنْسَبُ إلَيْهِمْ مِن الأخْبارِ، فَإنَّهُمْ دِرْعُ الإسلامِ وحِصْنُهُ؛ والذبُّ عَن أعْراضِهِم مِن أعْظَمِ المُناصَرَةِ لَهُم.
الخامِسُ: ولا أَعْلَمُ أحَدًا مِن عُلَماءِ المُجاهِدِينَ تَحْتَ الإمارَةِ والمُناصِرِينَ لَها يُخالِفُ فِيما ذكَرْتُهُ هُنا جَوابًا عَما وَرَدَ فِي السؤالِ وللهِ الحَمْدُ، فإنْ وُجِدَ مَن يَقُولُ بِخِلافِهِ؛ فَقَدْ عَرَفْتَ الحَقَّ فالزَمْهُ، ومِن الأمانَةِ أنْ أُنَبِّهَ فِي هذا المَوطِنِ علَى بُطْلانِ ما وَرَدَ فِي الموْسُوعَةِ العَرَبِيّةِ العالَمِيّةِ تَحْتَ المادّةِ (طالبان، حركَة) مِنْ قَولِها عَن مَبادِئِ الحَرَكَةِ: ومِنْ ذلكَ ؛ وتَكْفَيرِ مَن يُخالِفُها الرايَ مِن المُسلمِينَ!؛ وأصْحابِ الدّياناتِ الأُخْرَى بِلا تَمْيِيز!!. انتهَى مَنْقُولًا من المَوسُوعَة.
وهذا مَحْضُ بُهْتانٍ يُسْألُ عَنْهُ مَن تَولّى كِبْرَهُ بَيْنَ يَدِي اللهِ تعالَى أوّلًا، ثُمّ أمامَ المُسلِمينَ والتارِيخِ ثانِيًا، بَلْ سَمِعْنا مِن عُلَماءِ (الطالِبانِ) وقَتَ الإمارَةِ ورَأيْنا مِن أفْعالِهِمْ ما يَشْهَدُ ببُطْلانِ هذا المُنْسُوبِ إلَيهِمْ، وإذا لَمْ يَكُونُوا يَعْتَقِدُونَ كُفْرَ التحالُفِ الشمالِيِّ الذي كانَ يُقاتِلُهُمْ قِبْلَ الغَزْوِ الصلِيبِيِّ لأفْغانِستانَ؛ كما سَمِعْناهُ مِنهُمْ مِرارًا، فَكِيفَ تُنْسَبُ إلَيْهِمْ هَذا الكُلّيةُ بِتَكْفِيرِ كُلِّ مَن خالَفَهُمُ الرايَ مِن المُسْلِمينَ؟!.
وقَدْ جَمَعَنِي فِي وَقْتِ الإمارَةِ مَجْلِسٌ مَعَ أحَدِ كِبارِ القُضاةِ فِي الإمارَةِ؛ وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا فِي العِلْمِ كَبيرًا فِي السنِّ؛ قَدْ جاوَزَ السبْعِينَ رَحِمَهُ اللهُ، وقَدْ دارَ حَدِيثٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ بَعْضِ الطَلَبَةِ؛ فكانَ الشيخُ يُنْكِرُ فِي كَلامِهِ مَعَهُ ما يَقولُهُ الجَهَلَةُ مِن تَكْفِيرِ أتْباعِ الشيخِ مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ الوهابِ الذِينَ يُسمِّيهِمُ العامَّةُ بالوَهابِيَّةِ!، ومِمّا أحْفَظُهُ مِن كَلامِ الشيخِ قَولُهُ: تَكْفِيرُ الوَهابِيَّةِ يَستَلْزِمُ القَوْلَ بَتَسْلِيطِ الكُفارِ علَى مَكّةَ والمَدِينَةِ زادَهُما اللهُ تعالَى شَرَفًا؛ وقَدْ قالَ النبِيُّ صلّى اللهُ علَيهِ وسلّمَ: لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ؛ إشارَةً إلَى أنَّ مَكّةَ صارَتْ دارَ إسْلامٍ؛ وتَبْقَى كَذلكَ إلَى قِيامِ الساعَةِ، وهَذا يَرُدُّ ما يَدَّعِيهِ هَؤلاءِ الجُهالُ!. انتهَى كَلامُهُ.
وحَضَرْتُ مُلْتَقَىً فِي وَقْتِ الإمارَةِ أيْضًا دامَ عِدّةَ أيّامٍ؛ وضَمَّ أكْثَرَ من مائَةٍ وعِشرِينَ عالِمًا مِن عُلمائِهِمْ، وألْقِيتُ فِي حَضورِهِمْ دَرْسًا لِنَحْوِ ساعَةٍ أو أكْثَرَ، وكَنا نَبْحَثُ مَعًا كَثِيرًا من مسائلِ مَذهَبِ الحَنَفِيّةِ وغَيرِهِ مِن المَذاهِبِ، وكُنْتُ أَحُثُّهُمْ وأُحَرِّضُهُمْ علَى الاجْتِهادِ فِي مُحارَبَةِ البِدَعِ المُنْتَشِرَةِ فِي بِلادِهِمْ؛ والعَمَلِ علَى نَشرِ العِلْمِ بَينَ العامّةِ من الناسِ، وكانُوا يُقَدِّمُونَنِي للصلاَةِ مِرَارًا، كما كانُوا يُقِدِّمُونَ بَعْضَ تَلامِذَتِي وأصْحابِي، وهُمْ يَعْلَمُونَ مَعَ هَذا كُلِّهِ أنّنِي لَسْتُ حَنَفِيَّ المَذْهَبِ، فَكَيفَ يُقالُ فِيمَنْ كانَ هذا حالُهُمْ أنَّهُمْ يُكَفِّرُونَ مَن خالَفَهُمُ الرايَ مِن المُسلِمينَ؟!.