ِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرّحِيمِ
مَنْ هُوَ المُجاهِدُ؟.
(لا مانع من نقْلِها دون تصرف)
رَقَمُ الفَتْوَى: 56/ 13/1312
وَوَرَدَتْ إلَيهِ - جَمَّلَهُ اللهُ تعالَى بِسترِهِ - جُمْلَةٌ مِن الأسْئلَةِ مَضْمُونُها السؤالُ عَمّا يُنْسَبُ فِعْلُهُ إلَى (المُجاهِدِينَ) فِي كَثِيرٍ مِن المَواطِنِ؛ وما يَقَعُ مِنْ قَتْلِ عامَّةٍ مِن المُسْلِمينَ فِي الأسواقِ وغَيرِها؛ وما يُشاعُ مِن نَسْبَةِ ذلكَ إلَيْهِمْ كَيفَ يَكُونُ مَوقِفُ المُسلمِ منْ ذلكَ، فَإنَّ هذا مِما يُشَوّشُ الأذْهانَ؛ ويُكَدِّرُ الخَواطِرَ، فَنرْجُوا بَيانَ ذلكَ بِما يُزِيلُ الإشكالَ ويَرْفَعُ الحَرَجَ، نفَعَ اللهُ بِعِلْمِكُمُ الإسلامَ والمُسْلِمينَ؟.
فَأجابَ:
الحَمْدُ للهِ؛ والصلاةُ والسلامُ علَى رَسُولِ اللهِ، أما بَعْدُ:
فَنَحْنُ نَذكُرُ لَكَ أوّلًا فِي جَوابِ هذِهِ المَسألَةِ جُمْلَةً من الأُصولِ التِي نَدِينُ اللهَ تعالَى بِها، ونَرَى أنَّ الأخْذَ بِها وَاجِبٌ علَى كُلِّ مَنْ أرَادَ الوُقُوفَ عِنْدِ حُدُودِ الشرْعِ الكَرِيمِ، والتَسلِيمُ المُطْلَقُ لأَمْرِ اللهِ تعالَى دَلِيلُ الإيمانِ كما قالَ سُبحانَهُ: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} .
فالأَوَّلُ: أَنَّ الأَصْلَ فِي دِماءِ أهْلِ الإسلامِ التحْرِيمُ؛ وهِيَ مَعْصُومَةٌ لا يُسْتَباحُ مِنْها شَيءٌ إلاّ بِبُرْهانٍ ناهِضٍ مِن كِتابِ اللهِ تَعالَى وسُنَّةِ نَبِيِّهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وسلَّمَ.
الثانِي: وهذا هُو الواجِبُ اعْتِقادُهُ فِي كُلِّ مَن دانَ بالإسلامِ اليَومَ فِي مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها؛ سَواءٌ كانَ فِي بِلادِ الإسلامِ أو غَيرِها، وكُلُّ مَن أظْهَرَ شَيئًا مِن عَلاماتِ الإسلامِ فَصَلَّى صَلاةَ المُسلِمينَ واستَقْبَلَ قِبْلِتَهُم وأكلَ ذبِحَتَهُمْ فَهُو مُسلمٌ لَهُ ما للمُسْلمِينَ وعَلَيهِ ما عَلَيهِم، وكما دلَّ علَيهِ قَولُهُ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} ؛ فَفِي هَذهِ الآيَةِ دَلِيلٌ لِما ذكَرْناهُ؛ ونَهْيٌ عَنْ قَتْلِ مَنْ أَظْهَرَ الإسْلامَ؛ حَتَّى وَلَوْ كانَ قَصْدُ القاتِلِ الحرْصَ عَلَى تَحَقُّقِ أنّ وَصْفَ الإيمانِ ثابِتٌ للمَقْتُولِ، فإنّ هَذَا التحقّقَ غَيرُ مُرادٍ للشَّرِيعَةِ؛ كَما قالَ النَبِيُّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلّمَ فِي الصحِيحِ وغَيرِهِ من حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ وغَيرِهِ: إنّي لَمْ أُؤْمَرْ أَنْ أُنَقِّبَ عَلَى قُلُوبِ الناسِ وَ لا أَشُقَّ بُطُونَهُم؛ وكما دَلَّ عَلَيهِ حَدِيثُ الجارِيَةِ المَشهُور، وقدْ نِيطَتْ صِفَةُ الإسْلامِ بِقَولِ كَلِمَةِ الشهادَتَينِ أَوْ بِتَحِيّةِ الإسْلامِ وَهِيَ: السلامُ عَلَيْكُمْ؛ كما دلّتْ علَيهِ الآيَةِ، وكُلُّ قَولٍ يُخالِفُ هَذا الذِي ذكَرْناهُ كالقَولِ بأنّ الأصْلَ فِي عامّةِ أهْلِ الإسلامِ هُو الكَفْرُ!؛ أو التّوقّفِ عَن الحُكْمِ بإسلامِهِمْ إلَى تَبُيُّنِ حالِهِمْ!؛ وغَيرِ ذلكَ، فأَقْوالٌ مُحْدَثَةٌ فِي الدّينِ وبِدْعَةٌ ضلالَةٌ نبْرأُ إلَى اللهِ تَعالَى مِنْها، ونسألُهُ السلامَةَ والعافِيةَ.
الثالِثُ: ولا بُدَّ مِن التّفْرِيقِ بَينَ مَن لا يَجُوزُ العُدْوانُ علَيهِ مِن عامّةِ أَهْلِ الإسلامِ لحُرْمَةِ دَمِ المُسلِمِ وعِرْضِهِ ومالِهِ؛ وبَينَ مَنْ تَولّى الكافِرَ الحَرْبِيَّ والعَدُوَّ الصائلَ بالمُعاضَدَةِ والمُمازَجَةِ وأعانَهُ علَى قِتالِ أَهْلِ الإسلامِ واحْتِلالِ بِلادِهِمْ؛ سَواءٌ باشَرَ