الصفحة 160 من 207

وهكَذا يَصْنَعُ اليَومَ فِي بِلادِ المُسْلِمينَ مَنْ يَتَولّى أَعْداءَ الإسلامِ، ومَنْ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ!!؛ إنْ وَقَعَ خَطَأٌ مِن أحَدٍ مِن المُجاهِدِينَ طارُوا بِهِ طَعْنًا عَلَيْهِمْ؛ وَثَوّرُوا عامّةَ المُسلِمينَ وألّبُوهُمْ عَلى الجِهادِ وأهْلِهِ لأجْلِ ذلكَ!، أمّا هُمْ فَقَدْ نَبَذُوا شَرِيعَةَ اللهِ وَراءَهُمْ ظِهْرِيًّا؛ وَيَفْتَحُونَ أبْوابَ بِلادِ الإسلامِ علَى مَصارِيعِها للكَفَرِةِ النصارَى؛ بلْ ولِكُلّ مِلّةٍ كافِرَةٍ!، فَيَعِيثُونَ فِي بِلادِ الإسْلامِ ما شاءُوا فَسادًا وإفْسادًا؛ فِي الدينِ والأخْلاقِ والقِيمِ، ويَقْتَلُونَ مِن المُجاهِدِينَ مَن أرادُوا؛ ويَعْتَدُونَ علَى حَرِيمِهِمْ وحُرُماتِهمْ، ويُلاحِقُونَ أهْلَ الجِهادِ بالسجْنِ والتسلِيمِ إلَى أعْدائِهِمْ، وأعْجَبُ مِن ذلكَ أنَّهُمْ لا يَسْتَتِرُونَ بِصَنائِعِهِمْ هذه؛ بلْ يتَفاخَرُونَ بِهِا علَى رُؤوسِ المَلأ بِلا خَوفٍ مِن اللهِ ولا حَياءٍ مِن عِبادِهِ، وهذا أيْضًا مِصْداقُ ما وَرَدَ فِي أشراطِ الساعَةِ مِن أنَّ الناسَ يصيرُونَ إلَى زَمانٍ يَصيرُ فِيهِ المَعْرُوفُ مُنْكَرًا والمُنْكَرُ مَعْرُوفًا!!، وقَدْ قالَ اللهُ تَعالَى فِي كتابِهِ الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} ؛ حُكْمُ هذهِ الآيةِ باقٍ؛ قالَهُ أبو زَيْدٍ الثعالِبِيُّ؛ وَعامٌّ لجميعِ المُؤمِنينَ كما قالَ البغَوي، وَكَأنَّما تَحْكِي حالَ القَومِ!؛، فإنَّهُمْ يَعْتَذِرُونَ عَن تَولّيهِمْ لِعَدُوِّ الإسلامِ والمُسارَعَةِ فِي تَنْفِيذِ مآرِبِهِ بأنَّهُمْ يَخافُونَهُ، ويَخافُونَ سَطْوَتَهُ؛ وأَنَّهُمْ لا طاقَةَ لَهُمْ بِحَرْبِهِ إنْ خالَفُوهُ، قالَ ابنُ جَرِيرِ: يعنِي: أنْ تَدُولَ للدّهْرِ دَوْلَةٌ، فَنَحْتاجَ إلَى نَصْرَتِهِم إيانَا، فَنَحْنُ نُواليهمْ لذلكَ. انتهى. أو قُلْ: هَكذا يَعْتَذِرُ عَنْهُم مَن يَبَرِّرُ لَهُمْ صَنِيعَهُمْ!، فَرَدَّ اللهُ تعالَى هذهِ الحُجّةَ عَلَيْهِمْ؛ وبَيّنَ أنَّها صَنِيعُ مَن فِي قَلْبِهِ مَرَضُ الشكِّ والنّفاقِ، حَتَّى إنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ أرادَ أنْ يَتَنَصَّرَ أو يَتَهَوَّدَ لِيَتَخِذَ بِذلكَ عِنْدَهُهمْ يَدًا!؛ كما حُكِيَ عَن رَجُلَيْنِ أرادا فِعْلَ ذلكَ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ، وقَولُهُ {فِيهِمْ} : مُبالَغَةٌ فِي بَيانِ رَغْبَتِهِمْ فِي الموالاةِ وتَهالُكِهِمْ علَيها!، وهكذا يَصْنَعُ القَومُ الآنَ أيْضًا؛ كما قالَ ابنُ حَزْمٍ: واللهِ لَو عَلِمُوا أنَّ فِي عِبادَةِ الصلْبانِ تَمْشِيةَ أمورِهِمْ لعَبَدُوها!. انتهى. ومَن يَقْتُلُ اليَومَ أهْلَ الإسلامِ؛ بلِ المُجاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، لا لِشَيءٍ إلاَّ لأنَّ الصلِيبِيينَ يُرِيدُونَ مِنْهُ ذلكَ!، ومَنْ تَرَى النصارَى فِي بِلادِهِ آمِنينَ مَطْمَئنّينَ؛ وأهْلَ الإسلامِ مَقْمُوعِينَ مَقْهُورِينَ!، ومَنْ يَمْنَعُ آياتِ الكِتابِ - التِي تُبَيِّنُ كُفْرَ اليَهُودِ والنصارَىَ وأنَّ مُعاداتِهِمْ والبراءَةَ منهُمْ من أصولِ دِينَ الإسلامِ - أنْ تُتْلَى فِي كِتابِ اللهِ؛ وأنْ تُدَرّسَ لأبْناءِ المُسْلمينَ!، ومَن يَسْتَجِيبُ إلَى إزالَة الفَوارِقِ بَينَ الإسلامِ وغَيرِهِ من الأدْيانِ الكافِرَةِ ويَعْمَلَ عَلى دَمْجِ الإسلامِ؛ واليَهُودِيَّةِ والنصرانِيَّةِ فِي عَقِيدَةٍ واحِدَةٍ تَحْتَ دَعْوى الحِوارِ بَينَ الأدْيانِ والتقارُبِ بَيْنَها؛ حَتَّى طُبِعَ القرْآنُ المحْفوظُ بِوعْدِ اللهِ تعالَى؛ والإنجِيلُ والتوراةُ المُحَرَّفانِ فِي كِتابٍ واحِدٍ مُنْذُ عَهْدٍ قَرِيبٍ فِِي بَعْضِ البلادِ الإسلامِيَّةِ وُوُزِّعَ علَى الناسِ فِيها!، مَنْ يَصْنَعُ هَذا وذاكَ أتَظُنُّهُ دُونَ من ذكَرَ عَنْهُ ابنُ حَزْمٍ أنَّهُمْ لا يَمْتَنِعُونَ عَن عِبادَةِ الصلْبانِ لتَمْشِيَةِ أمورِهِم؟!.

وجُمْلَةُ القَولِ أنَّ الواجِبَ علَى المسْلِمِ أنْ لا يَغْتَرَّ بِكُلِّ ما يُقالُ؛ خاصَّةً والحالُ ما ذكَرْناهُ، والحَلالُ بَيِّنٌ والحَرامُ بَيِّن، ومَن أشْكَلَ عَلَيهِ شَيءٌ فَلا يَعْجَلْ حَتَّى يُراجِعَ فِي ذلكَ مَن يَثْقُ بِدِينِهِ وعِلْمِهِ، ورُبَّ كَلِمَةٍ رَوّجَها المَرْءُ وأشاعَها وهُو لا يَدْرِي أنَّها مِعْولُ هَدْمٍ فِي صَرْحِ الإسلامِ!، واللهَ أسْألُ أنْ يُرُدَّ عنِ المُسْلِمينَ كَيدَ عُدُوِّهِمْ؛ وأنْ يَرُدَّ كَيدَ كُلِّ ذِي كَيدٍ فِي نَحْرِهِ، ?رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، وصلِّ اللهُمّ علَى مُحَمدٍ وعلَى آلِهِ وصحْبِهِ وسلّمْ؛ والحمدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت