وهذا المَعْنَى الذي أَشَرْنا إَلَيهِ؛ وهُوَ إفْرادُ اللهِ تعالَى بالحُكْمِ والتشرِيعِ مَدْلُولٌ عَلَيهِ بَنَحْوِ قَولِهِ تعالَى فِي سُورَةِ الأنْعام: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} .
وقَوْلِهِ تعالَى فِيها أيضا: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} .
وقَوْلِهِ فِيها أَيْضا: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} .
وقَولِه تعالى فِي سُورَةِ يُوسُف: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} . فالإشراكُ باللهِ سُبْحانَهُ في حُكْمِهِ كالإشراكِ بِهِ فِي عِبادَتِهِ؛ ولا فَرْق.
وقَوْلِهِ تعالَى فِيها أَيضًا: {وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} .
وقَولِهِ فِي القَصَصِ جَلَّ وعلا: {وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} .
وقَوْلِهِ فِيها أيضا: {وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آَيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} .
وقَوْلِه تعالَى في سُورَةِ الشورَى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .
وقَوْلِهِ في سُورَةِ الكَهْفِ: {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} ،
فَكَيْفَ يُقالُ مَعَ هذا كُلِّهِ؛ ومَعَ هذه الآياتِ المُحْكُماتِ البَيِّناتِ إنَّ ذلكَ مُبْتَدَعٌ فِي الدينِ؟!!، فإنْ أرادَ القائِلُ الاصْطلاحَ والتَّقْسيمَ فَقَدْ قَدَّمْنا ما فِيه، وإنْ أرادَ الوُجُودَ في نَفْسِ الأمْرِ؛ فلا، بَلْ مَنْ سَمَّى ذلكَ اخْتِراعًا وبِدْعَةً مِن المُعاصِرينَ! فَقَوْلُهُ هُو البِدْعَةُ فِي الدين، هدانا اللهُ وإياهُ إلى التي هِيَ أقْوم.
ثُمَّ إِنَّنِي أَرَى الأوْلَى فِي ذلكَ الْتَزامَ ما وَرَدَ عن السلَفِ رَحِمَهُمُ اللهُ؛ ولأَنَّ هذا التَّوحِيدَ الذي ذَكَرُوه (تَوحيدَ الحاكِمِيَّةَ) مُنْدَرِجٌ تَحْتَ أنواعِ التوحيدِ الثلاثَةِ التِي ذكَرُوها؛ وهُوَ تَقْسِيمٌ جامِعٌ ماِنِعٌ وللهِ الحَمْد؛ وأدلُّ دَليلٍ عَلى هذا أنَّ الأئِمَّةَ علَى مَرِّ تارِيخِ الإسلامِ قَدْ جَعَلُوهُ أصلًا فِي رَدِّ ودَحْضِ كُلِّ كُفْرٍ وَشِركٍ وضَلالَة!!، وحَتَّى لا يَطَّرِدَ فَتْحُ البابِ فِي هَذا لِكُلِّ مِن أرَادَ الاصْطِلاحَ فِيما جَدَّ مِن نَوازِلِهِ بالمُسْلِمين، نَعَمْ؛ إنِ احْتِيجَ إلَيْهِ لِبَيانِ خَطَرِهِ والتحْذيرِ مِنْهُ وتنْبِيهِ مَنْ غَفَلَ عَنهُ فلا ضَيْرَ، ومَعَ هذا فَيُقالُ كذلك: حَسْبُ مَن احْتاجَ إلى بَيانِ هذا أنْ يَذكُرَ تَعَلُّقَهُ بأنواعِ التوحيدِ الثلاثَةِ بِوَجْهٍ مِن الوُجُوه، بَلْ ذلكَ أعْظُمُ أثَرًا وأشَدُّ وقْعًا وأَوضَحُ فِي البَيانِ، فَلَو قال قائل: إن مِن تَوحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ أنْ يُفْرَدَ اللهُ تعالى وحْدَهُ لا شَريكَ لهُ بالتحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، فَيَتَعَبَّدَ المَرْءُ بِتَحْلِيلِ ما أحَلَّهُ وتَحْريمِ ما حَرَّمَهُ، وإنَّ تَحْكِيمَ هَذهِ الشرائعِ الوضْعِيَّةِ شِركٌ باللهِ تعالَى وكُفْرٌ بَوحْدانِيَّتِه، وإنَّ التحاكُمَ إلى هذه القوانِينِ الوضْعِيَّةِ عَنْ رِضًا واخْتِيارٍ شِرْكٌ باللهِ في حُكْمِهِ والله تعالَى لا يُشْرِكُ فِي حَكْمِهِ أحَدًا؛ لكانَ ذلكَ مُحَصِّلًا لِغايَةِ المَقْصُودِ، وباللهِ وحْدَهُ التوفِيق.
والأَمْرُ يَسيرٌ قَريبٌ إنْ شاءَ اللهُ سُبْحانَهُ؛ فلا حَاجَةَ إلى ما يَصْنَعُهُ بَعْضُهُمْ مِن التهْويلِ والتَّشْنِيعِ عَلى المُخالِفِ ورَمْيِهِ بالبِدْعَةِ والخُرُوجِ عنْ جادَّةِ السلَفِ رَحِمَهُمُ اللهُ تعالى، خاصَّةً وقَدْ بَيَّنا لكَ مَقاصِدَ من قالَ بِهِ مِن المُعاصِرين، كما لا يَلْزَمُ مَن أنْكَرَ التَّسْمِيَةَ الحادِثَةَ هذه (تَوْحيدَ الحاكِمِيَّةِ) أنْ يَكُونَ مُنْكِرًا لِما دَلَّتْ عَلَيهِ مِن المَعْنَى؛ كما يَظْهَرُ مِما سَبَق، والله أعلم.
نَعَمْ إنْ كانَ مَقْصُودُ مَن يُنْكِرُ هذَا الاصْطِلاحَ التَّهْوينَ مِن شانِ القانُونِ الوَضْعِيِّ الكافِرِ وشانِ تَحْكِيمِهِ والتَّحاكُمِ إلَيْهِ؛ والمُجادَلَةَ عَن القائِمِينَ عَلَيهِ فِي أمْصارِ الإسلامِ - حَتَّى سَمَّوْا أَنْفُسَهُمْ مَشَرِّعِنَ؛ ومَجَالِسَهُمْ (بالمَجالِسِ التِشريعِيَّةِ) فَنازَعُوا