الصفحة 152 من 207

بِسْمِ اللهِ الرحْمَنِ الرحِيم

مصطلحُ تَوحيدِ الحاكِمِيةِ.

الفَتْوى رقم: 97/ 1 / 6306

وسُئِلَ مِرارًا؛ عَنْ مُصْطَلَحِ (تَوحِيدِ الحاكِمِيَّةِ) ؛ هَلْ هُو مَوْجُودٌ فِي الشرْعِ، أمْ هُو مُبْتَدَعٌ كما قالَ بَعْضُهم؟.

فأجاب:

الحَمْدُ للهِ؛ وبَعْد:

فالتَّقْسيمُ المَعُرُوفُ المَشهُورُ للتوحيدِ (الربوبِيَّةُ والألوهِيَّةُ والأسماءُ والصفات) مُقَرَّرُ لدَى المتقَدِّمِينَ من العُلَماءِ رَحِمَهُمُ الله، وَدِلِيلُهُ التَّتَبُّعُ والاسْتِقْراءُ التامُّ لِنُصُوصِ الشرع، وعَلَى ذلكَ دَلَّ الوَحْيانِ الشريفان، لا يُقالُ إنَّ هذا التقْسيمَ الثلاثِيَّ لَمْ يكُنْ مُعُروفًا زَمَنَ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلمَ وفي الصدْرِ الأَولِ مِنَ الأُمَّةِ رَضيَ اللهُ عَنْهم!، لأّنَّهُ يُقالُ فِي جَوابِه: كَونُهُ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِحَسْبِ الاصْطلاحِ؛ نَعَمْ؛ سَلَّمْنا، أَما بَحَسْبِ الوُجُودِ! فَلا، كَما لا يَنْفِي اصْطِلاحُ النحاةِ عَلى تَقْسيمِ الكَلِمَةِ إلى اسمٍ وفِعْلٍ وحَرْفٍ وجُودَ ذلكَ فِي نَفْسِ الأَمْر، مَعَ أنَّ هذا لَمْ يكنْ مَعْروفًا في الصدْرِ الأَولِ كذلك، وإِنَّما أَحْوجَ الأَئِمَّةَ إلى هذهِ القِسْمَةِ الثلاثِيَّةِ ظُهُورُ طَوائِفِ أهْلِ البِدَع، واخْتِلاطُ المُسْلِمينَ بَعْدَ انْتِشارِ الإسلامِ بِغَيْرِهم من الأُمَمِ فَتَسَرَّبَتْ إلى المُسْلِمينَ كَثيرٌ مِن العَقائدِ الباطِلَةِ مِن الدياناتِ الأخْرىَ، كالقَوْلِ بِوِحْدَةِ الوُجُودِ والحُلُولِ والاتِّحادِ، وجَحْدِ صِفاتِ البارِي جَلَّ وعَلا وتَعْطِيلِها وتَاوِيلِها؛ وأقْوالِ الفَلاسِفَةِ والمُتَكَلِّمينَ؛ وغَيْرِ ذلكَ مِمَّا تَصَدَّى الأئِمَّةُ لِبيانِ بُطْلانِهِ واقْتَضاهُمُ الاصْطِلاحَ علَى التَّقْسيمِ المَذْكُورِ بَيانًا لما يَجِبُ عَلى العَبْدِ نَحْوَ خالِقِهِ تعالَى؛ وصِيانَةً لَهُ عنِ الوُقُوعِ فِيما يَقْدَحُ فِي ذلكَ ويَخْدِشُ صفاءَ التوْحيدِ الذي لأَجْلِهِ خُلِق.

وعَلَى هَذا مَضى عَمَلُ السلَفِ رَحِمَهُمُ الله، ثُمَّ لَما وَقَعَ فِي القُرُونِ الأخِيرَةِ هَذهِ اسْتِبْدَالُ القَوانِينِ الوَضْعِيَّةِ بالشَّرْعِ المُطَهَّرِ - وكانَ ذلكَ قَدْ سَبَقَ وقُوعُهُ فِي بَعْضِ أمْصارِ المُسْلِمينَ؛ كَما وَقَعَ زَمَنَ ابنِ تَيمِيةَ من التتار؛ وفِي بَلادِ المَغْرِب الأَقْصى مِن مُلُوكِ بَعْضِ الطوائِف، وفِي البلادِ الهِنْدِيَّةِ زَمَنَ السلطان (جلالِ الدين أكْبَر) فِي القَرْنِ العاشِرِ الهِجْرِي - وعَمَّ ذلكَ وطَمَّ بِلادَ الإسلامِ بَعْدَ إلْغاءِ الخِلافَةِ الإسلامِيَّةِ فِي القَرْنِ الأَخِير، وبَلغَ التآمُرُ عَلَى بلادِ الإسلامِ إِلَى تَقْسيمِها وإلغاء أحكامِ الشرْعِ الإسلامِي مِنها؛ وإحْلالِ شَرائِعِ الأُمَمِ الكافِرَةِ النصرانِيَّةِ واليَهُودِيَّةِ مَحَلَّها!!؛ والتَّمْكِينِ لِدُعاةِ العِلْمانِيَّةِ والقَوْمِيَّةِ مِن القِيامِ عَلَيْها فِي أمصارِ المُسْلِمين، حَتَّى غَدا الناسُ إلَيْها أسرابًا تِلْوَ أَسْرابٍ!؛ أَحْوجَ ذَلكَ أهْلَ العِلْمِ إلَى بَيانِ خَطَرِ هذه الواقِعَةِ عَلى الإسْلامِ وأَهْلِهِ، إذ كانَ التحاكُمُ إلَى شَرِيعَةِ اللهِ تعالَى والرضا بِحُكْمِهِ والتسليمُ لَهُ فارِقًا بَينَ الشرْكِ والتَوحِيد، وكانَ تَحْكِيمُ هذه الشرائعِ النصرانِيَّةِ واليَهُودِيَّةِ، والتَحاكُمُ إلَيْها عَنْ رِضًا وطَواعِيَةٍ مُناقِضًا لِما أمَرَ اللهُ تعالَى بِهِ مِن إفْرادِهِ بالربوبِيةِ والألوهِيَّةِ وحَدَهُ لا شَريكَ له ولِما أوْجَبَهُ مِن الكُفْرِ بالطاغُوتِ الذي لا يَصِحُّ إيمانُ عَبْدٍ إلاَّ بهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت