بسم اللهِ الرحْمن الرحيم
مجاهِدٌ يتقاضَى رِزْقَهُ من بَيْتِ المال؛ هل له أن يَتَّجر؟.
رقم الفتوى: 56/ 1 /284
وسئل عن حكم اتِّجار الغازي الذي يتقاضى رزقَه من بيت المال؟
فأجاب: الحمد لله، أما بعد:
فمن كان يأخذ من الغزاة المجاهدين من بيت المال ما يكفيهِ فالأولى له تركُ ذلك، حتى لا يُفْضِيَ به هذا إلى ما يشغلُه عن الغزو، وحرصًا على سلامةِ نيَّتِهِ من شائبةٍ تقدحُ في صفائِها، قالَ ابْنُ مُفْلِحٍ في كِتَابِهِ الفُروع: قَالَ أَحْمَدُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَك تِجَارَةٌ كَانَ أَخْلَصَ، وَرَخَّصَ فِي التِّجَارَةِ وَالْعَمَلِ فِي الْغَزْوِ ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ كَمَنْ لَا يَشُوبُ غَزْوَهُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا. انتَهى.
لكنْ على الإمام أو من يقوم مَقَامَه من أمراءِ المجاهدين والسرايا أن يتعَّهدوا حاجاتِ الغُزاةِ وما يقوم بكفايتِهم وكفاية من يَعُولُون، حتى لا يشغلَهم طلبُ المعاش عن الجهادِ في سبيلِ الله، ويَتَعَيَّنُ هذا إذا كان الجهادُ فرضَ عينٍ، فيجبُ على المسلمين أنْ يَبْذُلُوا من أموالهم ما يتحققُ به الكفاية لدفع الصائلِ ولو أتى ذلك على جميعِ أموالهم؛ ومن ذلك أرزاق المجاهدين، فإن كان الجهاد فرضَ كفايةٍ وجبَ بذلُ ما تُحْمَى به الثغورُ وتحفظُ به الحَوْزَةُ.
قال ابنُ قدامة في الكافي في بيان ما يلزم الإمامَ (4/ 266) : ويُعِدُّ لهم الزادَ، ويُراعِي من معه، ويرزقُ كلَّ واحدٍ بحسبِ حاجته. انتهى.
وفي المهذب (3/ 302) : ويَقسمُ بينهم على قدر كِِفَايَتِهِم، لأنَّهم كَفَوْا المسلمين أَمْرَ الجهاد، فوجبَ أن يُكْفَوْا أَمْرَ النفَقَةِ، ويتعاهدُ الإمامُ في وقتِ العطاءِ عددَ عِيالِهم؛ لأنَّهُ قد يزيدُ وَيَنْقُصُ، ويتعرفُ الأسعارَ وما يحتاجون إليه من الطعامِ ِوالكُسوةِ [1] ؛ لأنه قد يغلو ويرخصُ، ليكون عَطِيَّتُهم على قَدْرِ حاجَتِهِم.
وفي مغني المحتاج: ويبحث الإمامُ وجوبًا عن حال كلِّ واحدٍ من الْمُرْتَزَقَةِ، وعن عِيالِهِ، وهم من تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُم من أولادٍ، وزوجاتٍ، ورقيقٍ لحاجةِ غزوٍ أو لخدمةٍ إن اعتادها، لا رقيق زينةٍ وتجارةٍ، وما يكفيهم، فَيُعْطِيهِ كفايتَهُ و كِفايَتَهُم، من نفقةٍ وكُسْوَةٍ وسائرِ الْمُؤَنِ بِقَدْرِ الحاجةِ، لِيَتَفَرَّغَ للجهاد، ويُراعِي في الحاجةِ حالَه في مُرُوءَتِهِ وضِدِّها، والمكانَ والزمانَ، والرُّخْصَ والغلاءَ، وعادَةَ البلدِ في المطاعِمِ والملابِسِ، ويُزادُ إن زادت حاجتُهُ بزيادَةِ وَلَدٍ وحُدُوثِ زَوْجَةٍ فأكثر. انتهى.
ثمَّ إن كان من يَتَّجِرُ من الجندِ لا يشغَلُهُ ذلك عما فُوِّض إِليه من الأمور أو القتالِ الواجبِ فليسَ هناك ما يَمنع من التجارةِ والبيعِ والشراءِ، والله تعالى قد أحلَّ البيعَ في كتابِهِ، فلا يجوز المنع منه في زمانٍ أو مكانٍ إلا بدليل، كما وردَ النهيُ عنه إذا نوديَ للصلاة من يوم الجمعة.
وقد بوَّب أبو داود رحمه الله في السنن: بابٌ في التجارة في الغزو، وروى فيه (2785) : عن عُبَيْدِ الله بن سَلْمانَ أن رجلًا من أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم حدَّثه قال:
(1) الكسوة: الثوب الذى يلبس، ويكسر، والضم أشهر كما قاله ابن السيد، وعند العامة الكسر أشهر. كذا في تاج العروس.