بسم الله الرحمنِ الرحيم
ما يدخُلُ في مَعْنى السَلَبِ في زَمانِنا
رقم الفتوى: 56/ 4 / 303
وسُئلَ: عَما يَدْخُلُ في مَعْنى السلَبِ في زماننا؛ بَعْدَما اسْتُحْدِثَتْ الآلاتُ الجديدَةُ في القِتالِ؟.
فأجاب: الحَمْدُ للهِ؛ وبَعْد:
فَالسَّلَبُ بالتَّحْرِيكِ فِي اللغَةِ: ما يُسْلَبُ؛ أَيْ: الشيءُ الَّذِي يَسْلُبُه الإِنْسَانُ من الغَنَائِم ويَتَوَلَّى عليه، كما قِيل:
إِن الأُسُودَ أُسُودَ الغَابِ هِمَّتُهَا ... يَوْمَ الكَرِيهَةِ في المَسْلُوب لاَ السَّلَبِ
وعَلَى هذا فَفِي اللغَةِ يَشْمَلُ كُلَّ غَنيمَة.
ويَقُولُون: نَشْنَشَ السَّلَبَ: إذا أَخَذَهُ.
وأما قَولُ النبيِّ صلى اللهُ علَيْهِ وسلم فيما رواهُ البخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيرُهما مِن حديثِ أبي قَتادَةَ الأنْصاريِّ وغَيرِهِ (مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ) ، ففِي شَرْحِ السِّيَرِ الكَبيرِ للسرخسي: السلَبُ اسمٌ لما يُسْلَبُ، فكذلكَ ما يكونُ معَ الْحَرْبِيِّ إذا قتلَهُ فقد اسْتَلَبَهُ منْه.
وفِي المُغْنِي وشَرْحِهِ: سَلَبُ القَتيلِ: ما كانَ لابِسَهُ مِنْ ثِيابٍ؛ وعِمامَة؛ ٍ وقَلَنْسُوَةٍ؛ ومِنْطَقَةٍ؛ ودِرْعٍ؛ ومِغْفَرٍ؛ وبَيْضَةٍ؛ وتاجٍ؛ وأسْوِرَةٍ؛ ورانٍ؛ وخُفٍّ؛ بِما فِي ذلكَ مِنْ حِلْيَةٍ؛ لأنّ المَفْهُومَ مِنَ السلَبِ اللباس؛ وكذلك السلاحُ مِنَ السيفِ والرمْحِ واللتِ والقوسِ ونَحْوِهِ؛ لأنَّهُ يَسْتَعينُ بهِ في قِتالٍ؛ فهُوَ أولَى بالأخْذِ منَ اللباس.
فأما المالُ الذي مَعَهُ في هميانه وخريطَتِهِ فَلَيْسَ بِسَلَبٍ؛ لأنّهُ ليسَ مِنَ المَلْبُوس؛ ولا مما يَسْتَعِينُ بهِ في الحَرْب.
وكذلكَ رحلُه وإناؤُهُ وما ليستْ يَدُهُ علَيْهِ مِنْ مالِهِ ... انتَهى.
واسْتَثْنَى الشافِعِيُّ مِنْ ذلكَ رَحِمَهُ الله ما لا يُحْتاجُ إِليْهِ في الحَرْبِ؛ كالتاجِ والسوارِ والطّوْقِ والهِميانِ الذي لَيْسَ للنَّفَقَةِ، والدليلُ يَرُدُّهُ؛ لعُمُومِ قَوْلِهِ صلَّى اللهُ عَليْهِ وسلم: فَلَهُ سَلَبُه، ولقَوْلَهِ في حديثِ سَلَمَةَ: فلهُ سَلَبُهُ أجْمَع، ولأَنَّهُ يُسْتَعانُ بِكُلِّ ذلكَ فِي القِتالِ؛ فإنما قصَدَ العَدُوُّ بِهذا إدخالَ الرهْبَةِ فِي نُفُوسِ المُسْلِمين؛ كما قالَ الصحابَةُ لعُمَرَ رَضيَ اللهُ عَنْهُ: إنا إذا لقِينا جُمُوعَ الرومَ ورأيْناهُمْ يَلْبَسُونَ أَقْبِيَةَ الحَريرِ وجَدْنا لِذلكَ رَوْعَةً في نُفُوسِنا، فقالَ: البَسُوهُ أنتُمْ كما يَلْبِسُونَهُ هم!، ولأنَّهُ مِنَ المَلْبُوسِ أيضًا، ولقِصَّةِ البراءِ بِنِ مالكِ لما قَتَلَ المرزبانَ فدَفَعَ إليْهِ عُمَرُ رضي اللهُ عنهما سوارَهُ ومِنْطَقَتَهُ وكانتْ قدْ بلغَتْ ثلاثينَ ألفا،