الصفحة 144 من 207

فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي خِرْقَةٍ؛ قالتْ: هذَا قَدْ وَلَدْتُهُ، قال: اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حتّى تَفْطُمِيهِ؛ فلمّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بالصبِيِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ؛ فقالتْ: هذا يا نَبِيَّ اللهِ قدْ فَطَمْتُهُ؛ وقَدْ أَكَلَ الطعامَ، فَدَفَعَ الصبِيَّ إلى رَجُلٍ مِنَ المسلمينَ؛ ثُمَّ أَمَرَ بِها فَحُفِرَ لَها إَلَى صَدْرِهَا وأَمَرَ الناسَ فَرَجَمُوها.

قَالَ فِي نَصْبِ الرايَة: وَفِيهِ بَشِيرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: لَيْسَ لَهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، يَجِيءُ بِالْعَجَائِبِ؛ مُرْجِئٌ مُتَّهَمٌ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ: يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَلَا عَيْبَ عَلَى مُسْلِمٍ فِي إخْرَاجِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ أَتَى بِهِ فِي الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ، لِيُبَيِّنَ اطِّلَاعَهُ عَلَى طُرُقِ الْحَدِيثِ انْتَهَى كَلَامُهُ.

والحديثُ رواهُ أحْمَدُ في المُسْنَدِ وَأبو داودَ والنسائِيُّ والترمذيُّ وغَيْرُهم عن عِمرانَ بنِ حُصَينٍ رَضِيَ اللهُ عنه وفيهِ أنَّ المرْأةَ مِنْ جُهَيْنَة؛ ثمَّ رواهُ مُختَصرًا عنْ أبي بَكْرَةَ رضيَ اللهُ عنه؛ ثم قال أبو داود: قالَ الغَسّانِيُّ: جُهَيْنَةُ وغَامِدُ وبَارِقُ واحدٌ. انتهى. وفيما قالَهُ أبو داودَ نظرٌ، واللهُ أعلم.

فمنَ العُلماءِ مَنْ جعلهما واحدا؛ ومنهم منْ قال: هما امرأتانِ. قال الحافِظُ في بابِ رَجْمِ الحُبْلَى مِنَ الزّنا: وُجُمِعَ بَيْنَ حَدِيثَيْ عِمْرانَ وبُرَيْدَةَ أنّ الجُهَنِيّةَ كانَ لِوَلَدِهَا مَنْ يُرْضِعُهُ بِخِلافِ الغَامديةِ. انتهى. وتحريرهُ في غيرِ هذا الموضع.

وللحديثُ شواهِدُ أُخْرى لا نُطيلُ بِذكْرِها.

وقال النووِيُّ في شرْحِه: وَفِيهِ: أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهَا قِصَاصٌ وَهِيَ حَامِل لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا حَتَّى تَضَع، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ، ثُمَّ لَا تُرْجَمُ الْحَامِل الزَّانِيَةُ وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهَا بَعْد وَضْعِهَا حَتَّى تَسْقِيَ وَلَدَهَا اللَّبَنَ وَيَسْتَغْنِيَ عَنْهَا بِلَبَنِ غَيْرهَا. انتهى.

وقال أيضًا: وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: أَنَّهَا لَمَّا وَلَدَتْ جَاءَتْ بِالصَّبِيِّ فِي خِرْقَة؛ قَالَتْ: هَذَا قَدْ وَلَدْته، قَالَ: فَاذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطُمِيهِ، فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي يَده كِسْرَةُ خُبْز فَقَالَتْ: يَا نَبِيّ اللَّه؛ هَذَا قَدْ فَطَمَتْهُ وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَام، فَدَفَعَ الصَّبِيّ إِلَى رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرَجَمُوهَا، فَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ ظَاهِرُهمَا الِاخْتِلَافُ، فَإِنَّ الثَّانِيَة صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ رَجْمهَا كَانَ بَعْد فِطَامِه وَأَكْلِه الْخُبْز، وَالْأُولَى ظَاهِرُهَا أَنَّهُ رَجَمَهَا عَقِب الْوِلَادَة، وَيَجِبُ تَاوِيل الْأُولَى وَحَمْلُهَا عَلَى وَفْق الثَّانِيَة؛ لِأَنَّهَا قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ؛ وَالرِّوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ، وَالثَّانِيَةُ مِنْهُمَا صَرِيحَةٌ لَا يُمْكِنُ تَاوِيلُهَا، وَالْأُولَى لَيْسَتْ صَرِيحَةً فَيَتَعَيَّن تَاوِيلُ الْأُولَى، وَيَكُونُ قَوْلُه فِي الرِّوَايَة الْأُولَى: قَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَار فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ؛ إِنَّمَا قَالَهُ بَعْد الْفِطَام، وَأَرَادَ بِالرَّضَاعَةِ كَفَالَتَهُ وَتَرْبِيَته، وَسَمَّاهُ رَضَاعًا مَجَازًا. انتهى.

وهذا يَرُدُّ قَوْلَ منْ قال: إِذَا وَضَعَتْ رُجِمَتْ وَلَا يُنْتَظَر حُصُول مُرْضِعَة، وهُوَ قُولُ أبي حَنِيفَةَ، ورِوايَةٌ عنْ مالك؛ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ؛ وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِك؛ وحكَاهُ القارِي فِي مِرْقاةِ المَفاتِيح رِوايَةً عنْ أبي حَنِيفَة: أَنَّهَا لَا تُرْجَمُ حَتَّى تَجِدَ مَنْ تُرْضِعهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ أَرْضَعَتْهُ؛ حَتَّى تَفْطِمَهُ ثُمَّ رُجِمَتْ، وهُوَ الصوابُ المُؤَيَّدُ بالدليلِ.

فعُلِمَ مما ذكَرْناهُ وجْهُ تأخيرِ إقامَةِ الحدِّ علَيْها، وأما أنَّ التأخِيرَ دامَ سَنَتَيْنِ فَلَمْ أرَهُ بَعْدَ البحْثِ في شيءٍ من الروياتِ، إلاَّ أنْ يُستَنْبَطَ ذلكَ مِنْ رضاعِهِ وفِطامِهِ، واللهُ أعْلم وصلى اللهُ على مُحمدٍ وعلى آلهِ وصحبه وسلم.

وكتب: أبو الوليد الغزيُّ الأنصارِيُّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت