الصفحة 143 من 207

وصَنِيعُهُ هذا الجَوابَ عَنِ الإشكالاتِ الوارِدَةِ علَى الأحادِيثِ مِنْ نَحْوِ التعارِضِ الظاهِرِ والتنْبِيهِ عَلَى عِلَلِ الأسانِيدِ والمُتُونِ وغَيرِ ذلكَ مِنَ الفوائدِ.

وأَخْرَجَ حَديثَ أَنَسٍ كذلِكَ الإمامُ مُسْلِمٌ في صَحيحِهِ رَحِمَهُ الله في {باب قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} .

فَسَّرَ السيُوطِيُّ الحدَّ هنا بالمَعْصِيَةِ، كذا في الديباج.

وَقال النوَوِيُّ في شَرْحِه: هَذَا الْحَدُّ مَعْنَاهُ مَعْصِيَةٌ مِنْ الْمعاصِي الْمُوجِبَة لِلتَّعْزِيزِ، وَهِيَ هُنَا مِنْ الصَّغَائِر؛ لِأَنَّهَا كَفَّرَتْهَا الصَّلَاةُ، وَلَوْ كَانَتْ كَبِيرَة مُوجِبَةً لِحَدٍّ، أَوْ غَيْر مُوجِبَة لَهُ لَمْ تَسْقُط بِالصَّلَاةِ، فَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْمَعَاصِيَ الْمُوجِبَةَ لِلْحُدُودِ لَا تَسْقُط حُدُودهَا بِالصَّلَاةِ، هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي تَفْسِير هَذَا الْحَدِيث، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضهم: أََنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِّ الْمَعْرُوفُ، قَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ يَحُدّهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَسِّر مُوجِبَ الْحَدّ، وَلَمْ يَسْتَفْسِرْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ إِيثَارًا لِلسَّتْرِ، بَلْ اُسْتُحِبَّ تَلْقِينُ الرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَار بِمُوجِبِ الْحَدّ صَرِيحًا. انْتَهى.

قالَ ابنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ الله: وخرَّجَهُ مُسْلِمٌ بِمَعْناهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ؛ وفيه أن النبِيّ صلى اللهُ علَيهِ وسلم قالَ له: أَرَأَيْتَ حِينَ خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ أَلَيْسَ قَدْ تَوَضَّاتَ فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ؟؛ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ثُمَّ شَهِدْتَ الصَّلاَةَ مَعَنَا؟؛ فَقَالَ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ حَدَّكَ، أَوْ قَالَ: ذَنْبَكَ.

ورَوَى حَدِيثَ أبِي أُمامَةَ أحْمدُ أيْضًا، وفي إسنادِهِ عِكْرِمَةُ بنُ عَمّارٍ العِجْلِيُّ أَبُو عَمَّارٍ اليَمَامِيٌّ؛ مُتَكَلَّمٌ فيه؛ وقال: الحافِظُ عنه: صدُوقٌ يغلط، لكنَّ حديثَهُ هذا يَشْهَدُ لهُ الحديثُ السابِق فَيَتَقَوَّى به.

قال ابنُ رَجب: وخرَّجه ابنُ جَرِيرٍ الطبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وفِي حَدِيثِه قال: فإنَّك مِنْ خَطِيئتِكَ كما ولَدْتْكَ أمُّك فلا تَعُدْ.

وفِي كَشْفِ المُشْكِلِ مِنْ حدِيثِ الصحيحَين لابِنِ الجَوْزِي: وَفِي هذَا الحدِيثِ مِنَ الفِقْهِ أنْ لا يُكْشَفَ عَنِ الحُدُودِ؛ بلْ تُدْرَأُ، وهذا الرجُلُ لَمْ يُفْصِحْ بأَمْرٍ يُلْزِمُهُ شيئًا فِي الحُكْمِ؛ ولعلّه أصابَ صغيرةً فَظنّها حدًا. انْتَهى.

وقد قالَ الحافظُ: وَلَعَلَّ الرَّجُل ظَنَّ أَنَّ كُلّ خَطِيئَة فِيهَا حَدٌّ، فَأَطْلَقَ عَلَى مَا فَعَلَ حَدًّا، وَاللَّهُ أَعْلَم.

وفِي مِرْقاةِ المفاتِيحِ نُقولاتٌ عن الفَتْحِ وغَيرِهِ فِي مَعْنَى المُرادِ بالحدّ هُنا؛ لِمَنْ أرادَ الاسْتِزادة.

وأما الحديثُ الآخر:

فَهُوَ قِصَّةُ الغامِدِيَّةِ رَضِيَ اللهُ عنها، وقدْ رَواهُ مُسْلِمٌ في الصحيح؛ في باب: مَن اعْتَرَفَ على نَفْسِهِ بالزنا مِنْ كِتابِ الحُدُود مِنْ حديثِ بُرَيْدَةَ رضيَ اللهُ عنه؛ في قصَّةِ ماعِزِ بِنِ مالك رضيَ اللهُ عنه، وفيه: قَالَ ثُمّ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنَ الأَزْدِ؛ فَقالَتْ: يا رسُولَ اللهِ طَهِّرْنِي؛ فَقَالَ: وَيْحَكِ ارْجِعِي فاسْتَغْفِرِي اللهَ وتُوبِي إليه، فقالَتْ: أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تَرْدُدَنِي كما رَدَدْتَ ماعِزَ بنَ مالِك؟. قالَ: ومَا ذاكَ؟. قالتْ: إنّهَا حُبْلَى مِنَ الزنَى، فَقَالَ: آنْتِ؟، قالتْ: نَعَمْ، فقالَ لَها: حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ، قال: فَكَفِلَها رَجُلٌ مِنَ الأَنْصارِ حَتَّى وَضَعَتْ، قالَ: فأَتَى النّبِيَّ صلّى اللهُ علَيْهِ و سلَّمَ فَقَالَ: قدْ وَضَعَتِ الغامِدِيَّةُ؛ فقال: إذًا لا نَرْجُمَُها وندَعَُ لهاَ ولدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ!، فقامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصارِ فقالَ: إِلَيَّ رَضاعُهُ يا نَبِيَّ اللهِ، قالَ: فَرَجَمَها.

وفِي رِوايَةٍ وهِيَ عنْدَ مُسلمٍ أيضا؛ قال: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ؛ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ - وَتَقَارَبَا فِى لَفْظِ الْحَدِيثِ - حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ؛ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ الأَسْلَمِىَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم ... وفيه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت