الصفحة 142 من 207

بسم الله الرحمن الرحيم

لِماذا لَمْ يُقَمِ الحَدُّ على الأَوَّلِ، وأُخِّرَ عَنِ الثانِي؟.

رقم الفتوى: 86/ 1 / 304

وكتبَ إليه سائلٌ يَقُول:

السلامُ عليكُمْ ورحْمَةُ الله وبركاته:

عَنْ أنسٍ رضيَ اللهُ عنه قال: جاءَ رجُلٌّ إلى النبِيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم فقال: يا رَسولَ الله أصبْتُ حدًّا فأقِمْهُ عَليَّ، قال: وحضَرَتِ الصلاةُ، فصلَّى معَ رَسُولِ الله صلى اللهُ علَيْهِ وسلَّم؛ فلما قَضى الصلاةَ قال: يارَسُولَ الله إنِّي أصَبْتُ حدًّا فأَقِمْ فِيَّ كِتابَ الله، قال: هل حَضَرْتَ الصلاةَ مَعَنا؟. قال: نعم، قال: صلَّى الله عليه وسلم: قَدْ غُفِرَ لك.

وقِصَّةُ المَرْأَةِ التي جاءَتْ إلى النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ وقالت: يارَسُولَ اللهِ إنِّي زَنَيْتُ فأقمْ عَلَّيَّ حدَّ الله، فأخَّرَها سَنَتَين.

والسؤالُ: لماذا لَمْ يُقِم النبِيُّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ عَلَى الأولِ حدَّ الله؟. ولماذا أَخَّرَ الحدَّ عن الثانِية؟.

فأجاب: الحَمْدُ لله؛ وبَعْد:

فأمّا حديثُ أنسٍ رَضِيَ اللهُ عنْهُ فأَخْرَجَهُ الإمامُ البخاريُّ في الصحيحِ باب إِذَا أَقَرَّ بِالْحَدِّ وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ لِلإِمَامِ أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِ.

ومِنْ تَراجِمِ البُخارِيِّ رَحِمَهُ الله في كِتابِ المُحارِبِين: باب مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا دُونَ الْحَدِّ فَأَخْبَرَ الإِمَامَ فَلاَ عُقُوبَةَ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ إِذَا جَاءَ مُسْتَفْتِيًا.

وهذهِ الترْجَمَةُ مُتَقَدِّمَةٌ علَى السابِقَةِ عِنْدَ البخارِيِّ رَحِمَهُ الله، ولم يَذكُرِ البخارِيُّ حَديثَ أنسٍ رَحِمَهُ اللهُ إلًا في بابِ (إذا أقَرَّ بالحَدِّ ولَمْ يُبَيِّن ... ) ؛ فَعُلِمَ مِنْهُ أنَّ البخارِيَّ رَحِمَهُ اللهُ رَجَّحَ في مَعْنَى الحديثِ ما نَقَلَهُ النوَوِيُّ عنِ القاضِي عنْ بِعْضِهِمْ، وسيأتِي، وفِي تَرْتِيبِ البُخارِيِّ للتراجِمِ في هذا المَوْضِعِ سِرُّ عَجِيبٌ يَظْهَرُ لِمَنْ تأمَّلَهُ؛ وِلِمَنْ مارَسَ القضاءَ خاصَّةً، فَما أفْقَهَهُ رَحِمَهُ الله.

واعْلَمْ أنَّ مِنْ أحْسَنِ الطرُقِ لِفَهْمِ فِقْهِ البُخارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ جَمْعَ تَراجِمِهِ عَلى الحديثِ في مَوضِعٍ واحدٍ؛ ثُمَّ المقارَنَةَ بَيْنَها؛ والنظَرَ في الأحاديثِ التي أوْدَعَها تِلْكَ التراجِم، فإنهُ تَظْهَرُ بِذلكَ كثيرٌ من الإشكالاتِ التي أورَدَها العُلَماءُ على تَراجِمِه، هذا ما عَلِمْتُهُ مِنْ تَتَبُّعِ أسْرارِ الصحيحِ التِي فَرَّقَها الحافِظُ في الفَتْحِ رَحِمَهُ الله، خاصَّةً إذا أضَفْتَ إلى هذا ما أخْبَرَنِيهِ شَيْخُنا أَبُو عَبْدِ الرحْمنِ عَبْدُ السلامِ بنُ مُحَمَّدٍ وهُوَ مِمَّنْ دَرَّسَ صحيحَ البُخارِيِّ نَحْوَ أَرْبَعِينَ عامًا أو يَزِيدُ في الديارِ الهِنْدِيَّةِ أيامَ قِراءَتِي صَحيحَ البُخارِيِّ عَلَيْهِ أنهُ ظَهَرَ لهُ أنَّ البُخارِيَّ رَحِمَهُ اللهُ لَمْ يَصْمِدْ إلى وَضْعِ الصحيحِ وتَرَاجِمِهِ صَمْدًا كَما يَفْعَلُ المُصَنِّفُونَ عادَةًً، بلْ كانَتْ تَعْرِضُ لهُ المَسْألَةُ يُسْألُ عَنْها أو النازِلَةُ يَحْتاجُ إلى إثْباتِ حُكْمِها المُدَّةَ بعْدَ المُدَّةِ؛ فَيُثْبِتُ لها الترْجَمَةَ التي تُناسِبُها ويُثْبِتُ دَلِيلَها، فَحَصَلَ لهُ بِذلكَ تَحْقِيقٌ في المسائِلِ وإمعانٌ في النَّظَرِ؛ وتَضَمَّنَتْ تَراجِمُهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت