الصفحة 140 من 207

بسمِ اللهِ الرحْمنِ الرحِيم

قَولُهُمْ: الجِهادُ فَرِيضَةُ العُمُر؟.

رَقَمُ الفَتْوى: 56/ 17/4256

مَسْألَةٌ: تَجْرِي علَى لِسانِ بَعْضِهِمْ عِبارَةُ: (الجِهادُ فَرِيضَةُ العُمُرِ) ، فَهْلْ يَصِحُّ ذلكَ أمْ لا؟.

الجَواب:

الحَمْدُ للهِ؛ وبَعْد:

فَهذهِ العِبارَةُ لا بُدَّ لبَيانِ حُكْمِها مِن تَفْصِيلِ:

والذِي يَظْهَرُ لِي - واللهُ تَعالَى أَعْلَمُ - أنَّ قائِلَ ذلكَ يُرِيدُ بِها تَحْرِيضَ المُسْلِمِينَ عَلَى القِيامِ بِفَرِيضَةِ الجِهادِ فِي زَمانِنَا هَذا علَى وَجْهِ الخُصُوصِ؛ لِما عُلِمَ مِن أَدِلَّةِ الشّرْعِ مِن أنَّ الجِهادَ مِن فُرُوضِ الأَعْيانِ فِي مِثْلِهِ؛ كَما بَيَّناهُ فِي غَيرِ هَذا المَوْضِعِ، ولأنَّ كَوْنَهُ فَرْضَ عَيْنٍ حُكْمٌ بَاقٍ بِبَقاءِ سَبَبِهِ، فَإنَّهُ لا يَزالُ فَرْضَ عَيْنٍ ما دامَ شَيءٌ مِن بِلادِ الإسلامِ تَحْتَ صِيالَةِ العَدُوِّ علَى التَفْصِيلِ المَعْرُوفِ فِي كُتُبِ الفُقَهاءِ رَحِمَهُمُ اللهُ، والواجِبُ علَى المُسْلِمِ أنْ يَعْقِدَ النِّيَّةَ علَى القِيامِ بِهَذِهِ الفَرِيضَةِ ما دامَ سَبَبُها قائِمًا ولو اسْتَغْرَقَ ذلكَ العُمْرَ كُلَّهُ، لأّنَّهُ يَؤجَرُ علَى نِيَّتِهِ هَذهِ أولًا؛ لِقَولِهِ صلّى اللهُ علَيهِ وسلم: إنّما الأعْمالُ بالنّيّاتِ، والرجُلُ قَدْ يَبْلَغُ بالنّيةِ ما لا يَبْلُغُ بالعَمَل، و ثانِيًا لأنَّ فَرْضَ العَيْنِ أعلَى مِن فَرْضِ الكِفايَةِ؛ كما فِي حديثِ أبِي هُرَيرِةَ عِندَ البُخارِي: وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بَشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ مَِما افْتَرَضْتُهُ علَيْهِ، فَإنْ نَوى القِيامَ ِبِفَرْضِ العَيْنَ حَتّى ولَو انْقَضَى عُمُرُهُ فِيهِ؛ كانَ أعْظَمَ لأجْرِهِ.

وَالواجِبُ علَى المُسْلمِينَ الصبْرُ علَى الجِهادِ؛ إذْ هُو مِن أجَلّ الطاعاتِ وأعْظَمِ القُرُباتِ، فكَيفَ إذا كانَ حُكْمُهُ ما ذكَرْناهُ، ثُمَّ فِي عَقْدِ النِّيَّةِ علَى القِيامِ بِهَذهِ الفَرِيضَةِ ولُزُومِها طاعَةً للهِ تَعالَى إلَى أنْ يَأتِيَ المَرْءَ أجَلُهُ إِغاظَةٌ لِعَدُوِّ الدّينِ؛ وإحْباطٌ لِهِمَّتِهِ؛ وكَسْرٌ لإرادَتِهِ؛ وإرْغامٌ لأنْفِهِ، فَلَيْسَ الجِهادُ فَرِيضَةً مَحْدُودَةَ الأجَلِ إلَى خَمْسِ سِنينَ أو عَشْرٍ أو عِشرينَ؛ أو أكْثَرَ أو أقَل، بلْ إلَى غايَةٍ هِيَ أنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ؛ وأنْ يَنْدَحِرَ عَدُوُّ الإسلامِ مِن جِمِيعِ بِلادِ الإسلامِ راغِمًا صاغِرًا إنْ شاءَ اللهُ تعالَى، وقَدْ قالَ اللهُ تعالَى: {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} ؛ هُم المَلأُ مِن كُفارِ قُرَيشٍ أَبُوجَهْلٍ، والعَاصِي بنُ وائِلٍ، وَالأَسْوَدُ بنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وعُقْبَةُ بنُ أبِي مُعَيطٍ وغَيرُهُم؛ كانُوا يَأمُرُونَ أنْفُسَهُمْ وَيَتَواصَوْنَ بَيْنَهُمْ بالثباتِ والصَّبْرِ علَى آلِهَتِهِم الباطِلَةِ، كما قالَ عَنْهُم فِي سُورَةِ الفُرقانِ أيْضًا: {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا} ؛ وهذا تَهْيِيجٌ وإغْراءٌ للمُؤمِنينَ لِيَثْبُتُوا ويُلازِمُوا دِينَهُمُ الحَقَّ فَإنَّهُمْ أولَى بِذلكَ مِنْهُمْ، حَكَى البِقاعِيُّ مَعْناهُ فِي التفْسِيرِ عن القُشَيرِيّ، والصبْرُ علَى التَمَسُّكِ بالحَقِّ مِما لا يَسَعُ المَرْءَ تَركُهُ؛ والآياتُ الآمِرَةُ بذلكَ فِي كتابِ اللهِ تعالَى كَثيرة.

ثُمَّ إنَّ العِبارَةَ بِهَذا الإطْلاقِ إنّما تَصِحُّ ما دامَ الجِهادُ مِن فُرُوضِ الأعْيانِ، فَإنْ عادَ فَرْضَ كِفايَةٍ كَما هُو حُكْمُهُ فِي الأصْلِ فَلاَ، لأَنَّ فَرْضَ الكِفايَةِ يُقْصَدُ حَصُولُهُ مِن غَيرِ نَظَرٍ بالذاتِ إلَى فاعِلِهِ، وما كانَ هذا حُكْمُهُ جازَ للمُكَلَّفِ تَرْكُهُ إنْ نابَهُ فِيهِ مَن يَسُدُّ مَسَدَّهُ ويُغْنِي عَنْهُ؛ حَتَّى وإنْ قِيلَ إنَّهُ يَتَعَيَّنُ بالشرُوعِ علَى الأصَحِّ؛ وفِي الجِهادِ خاصَّةً؛ لأنَّ المَقْصُودَ بِهِ المُشارَكَةُ فِي الزّحْفِ لا جُمْلَةِ الزُّحُوفِ، فَيَقُومُ مَن يَكْفِي بَفَرْضِ الكِفايَةِ فِي زَحْفٍ، ثُمّ يَخْلُفُهُم آخَرُونَ تَتَحَقّقُ بِهِمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت