الصفحة 139 من 207

جَميعًا؛ إلاّ الإبَاحِيَّةُ والغَالِيَةُ وَالشِّيَعَةُ مِنَ الرَّوافِضِ وَالقَرَامِطَةُ وَالزَّنَادِقَةُ مِنَ الفَلاَسِفَةِ لاَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ بِحَالٍ مِنَ الأَحْوالِ، وَيُقْتَلُ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَقَبْلَهَا، لأّنّهُمْ لَمْ يَعْتَقِدُوا بِالصّانِعِ تَعَالَى حَتّى يَتُوبُوا وَيَرْجِعُوا إِلَيْهِ. انتَهى.

وقالَ مُصَنِّفُ تَنْقِيحِ الحامدِيةِ أَيْضًا: وَقَدْ أَكْثَرَ مَشَايِخُ الإِسْلامِ مِنْ عُلَمَاءِ الدَّوْلَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ - لاَ زَالَتْ مُؤَيَّدَةً بِالنُّصْرَةِ الْعَلِيَّةِ - فِي الإِفْتَاءِ فِي شَانِ الشِّيعَةِ الْمَذْكُورِينَ، وَقَدْ أَشْبَعَ الْكَلاَمَ فِي ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ؛ وَأَلَّفُوا فِيهِ الرَّسَائِلَ، وَمِمَّنْ أَفْتَى بِنَحْوِ ذَلِكَ فِيهِمْ الْمُحَقِّقُ الْمُفَسِّرُ أَبُو السُّعُودِ أَفَنْدِيُّ الْعِمَادِيُّ، وَنَقَلَ عِبَارَتَهُ الْعَلاَّمَةُ الْكَوَاكِبِيُّ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى مَنْظُومَتِهِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُسَمَّاةِ: الْفَرَائِدُ السَّنِيَّةُ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا نَقَلَهُ عَنْ أَبِي السُّعُودِ بَعْدَ ذِكْرِ قَبَائِحِهِمْ عَلَى نَحْوِ مَا مَرَّ: فَلِذَا أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الأَعْصَارِ عَلَى إبَاحَةِ قَتْلِهِمْ، وَأَنَّ مَنْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ كَانَ كَافِرًا، فَعِنْدَ الإِمَامِ الأَعْظَمِ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُمْ إذَا تَابُوا وَرَجَعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ إلَى الإِسْلاَمِ نَجَوْا مِنْ الْقَتْلِ؛ وَيُرْجَى لَهُمْ الْعَفْوُ كَسَائِرِ الْكُفَّارِ إذَا تَابُوا، وَأَمَّا عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَلَيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ الْعِظَامِ فَلاَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ وَلاَ يُعْتَبَرُ إسْلاَمُهُمْ وَيَقْتُلُونَ حَدًّا؛ إلَخْ، فَقَدْ جَزَمَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ عِنْدَ إمَامِنَا الأَعْظَمِ، وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا مَرَّ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُهِمَّةٌ يَنْبَغِي تَحْرِيرُهَا وَالاعْتِنَاءُ بِهَا زِيَادَةً عَلَى غَيْرِهَا، فَقَدْ وَقَعَ فِيهَا خَبْطٌ عَظِيمٌ، وَكَانَ يَخْطُرُ لِي أَنْ أَجْمَعَ فِيهَا رِسَالَةً أَذْكُرُ فِيهَا مَا حَرَّرْته فِي حَاشِيَتِي عَلَى الدُّرِّ الْمُخْتَارِ وَغَيْرِهِ، فَلاَ بَاسَ أَنْ أَذْكُرَ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَا يُوَضِّحُ الْمَرَامَ إسْعَافًا لأَهْلِ الإِسْلاَم مِنْ الْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ، وَإِنْ اسْتَدْعَى بَعْضَ طُولٍ فِي الْكَلاَمِ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.

ثَمَّ ذكَرَ كَلامًا طَويلًا حَولَ قُبُولِ تَوبَةِ السابِّ إذا أَسْلَمَ وحُكْمِ قَتْلِه، ثُمَّ قالَ: وَقَدْ أَجَابَ الْعَلاَّمَةُ الْفَهَّامَةُ أَبُو السُّعُودِ الْمُفْتِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّ الْمَسْأَلَةَ خِلاَفِيَّةٌ فَقَدْ عُرِضَ عَلَى السُّلْطَانِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ الرَّحْمَنِ سُلَيْمَانَ خَانَ بْنِ سَلِيمِ خَانَ فِي أَمْرِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ وَالرِّعَايَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ بِأَنَّ الأَوْلَى أَنْ يُنْظَرَ إلَى حَالِ الشَّخْصِ التَّائِبِ عَنْ سَبِّ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ فُهِمَ مِنْهُ صِحَّةُ التَّوْبَةِ وَحُسْنُ الإِسْلاَمِ وَصَلاَحُ الْحَالِ يُعْمَلُ بِقَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ، وَيُكْتَفَي بِالتَّعْزِيرِ وَالْحَبْسِ تَادِيبًا، وَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ الْخَيْرُ يُعْمَلُ بِمَذْهَبِ الْغَيْرِ، فَلاَ يُعْتَمَدُ عَلَى تَوْبَتِهِ وَإِسْلاَمِهِ وَيُقْتَلُ حَدًّا، فَأَمَرَ السُّلْطَانُ جَمِيعَ قُضَاةِ مَمَالِكِهِ أَنْ يَعْمَلُوا بَعْدَ الْيَوْمِ بِهَذَا الْجَمْعِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْعِ وَالْقَمْعِ، هَذَا خُلاصَةُ ذَلِكَ الْجَوَابِ، شَكَرَ اللَّهُ سَعْيَهُ يَوْمَ الْحِسَابِ. انتهى.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللهُ عَنْه: هَذهِ المَسْألَةُ طَويلَةُ الذيُولِ؛ وهذا ما يَسَّرَهُ اللهُ تعالَى فِي هَذِهِ العُجالَةِ، وأسألُهُ سُبْحانَهُ أنْ يَرُدَّ كَيدَ كُلِّ ذِي كَيدٍ فِي نَحْرِهِ، وأنْ يُرِيَنا الحَقَّ حَقًّا ويَرْزُقَنا اتِّباعَهُ؛ ويُرِيَنا الباطِلَ باطِلًا ويَرْزُقَنا اجْتِنابَهُ؛ وصلَى اللهُ علَى مَحُمَّدٍ وعلَى آلَهِ وصحْبِهِ وسلم.

وَكِتَبَهُ:

كانَ اللهُ له

أبو الوليد الغزيُّ الأنْصارِيُّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت