يُهِينُونَ الْعِلْمَ وَالْعُلَمَاءَ مَعَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} ، وَمِنْهَا: أَنَّهُمْ يَسْتَحِلُّونَ الْمُحَرَّمَاتِ؛ وَيَهْتِكُونَ الْحُرُمَاتِ، وَمِنْهَا: أَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ خِلاَفَةَ الشَّيْخَيْنِ؛ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُوقِعُوا فِي الدِّينِ الشَّيْنَ، وَمِنْهَا: أَنَّهُمْ يُطَوِّلُونَ أَلْسِنَتَهُمْ عَلَى عَائِشَةَ الصِّدِّيقَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، وَيَتَكَلَّمُونَ فِي حَقِّهَا مَا لاَ يَلِيقُ بِشَانِهَا؛ مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عِدَّةَ آيَاتٍ فِي بَرَاءَتِهَا وَنَزَاهَتِهَا؛ فَهُمْ كَافِرُونَ بِتَكْذِيبِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ؛ وَسَابُّونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضِمْنًا؛ بِنِسْبَتِهِمْ إلَى أَهْلِ بَيْتِهِ هَذَا الأَمْرَ الْعَظِيمَ، وَمِنْهَا: أَنَّهُمْ يَسُبُّونَ الشَّيْخَيْنِ؛ سَوَّدَ اللَّهُ وُجُوهَهُمْ فِي الدَّارَيْنِ.
وَقَالَ السُّيُوطِيّ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ: مَنْ كَفَّرَ الصَّحَابَةَ أَوْ قَالَ إنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ كَفَرَ، وَنَقَلُوا وَجْهَيْنِ عَنْ تَعْلِيقِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ فِيمَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ؛ هَلْ يَفْسُقُ أَوْ يَكْفُرُ؟؛ وَالأَصَحُّ عِنْدِي التَّكْفِيرُ؛ وَبِهِ جَزَمَ الْمَحَامِِلِيُّ فِي اللُّبَابِ. انتهى. وَثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ قَطْعًا عِنْدَ الْخَوَاصِّ وَالْعَوَامِّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ هَذِهِ الْقَبَائِحَ مُجْتَمِعَةٌ فِي هَؤُلاءِ الضَّالِّينَ الْمُضِلِّينَ؛ فَمَنْ اتَّصَفَ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأُمُورِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ يَجِبُ قَتْلُهُ بِاتِّفَاقِ الأُمَّةِ؛ وَلاَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَإِسْلاَمُهُ فِي إسْقَاطِ الْقَتْلِ، سَوَاءٌ تَابَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى قَوْلِهِ؛ أَوْ جَاءَ تَائِبًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ؛ لأَنَّهُ حَدٌّ وَجَبَ وَلاَ تُسْقِطُهُ التَّوْبَةُ كَسَائِرِ الْحُدُودِ، وَلَيْسَ سَبُّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالارْتِدَادِ الْمَقْبُولِ فِيهِ التَّوْبَةُ، لأَنَّ الارْتِدَادَ مَعْنًى يَنْفَرِدُ بِهِ الْمُرْتَدُّ لاَ حَقَّ فِيهِ لِغَيْرِهِ مِنْ الآدَمِيِّينَ؛ فَقُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، وَمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الآدَمِيِّ وَلاَ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ؛ كَسَائِرِ حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ، فَمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أَحَدًا مِنْ الأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلاَمُهُ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ، وَيَجِبُ قَتْلُهُ، ثُمَّ إنْ ثَبَتَ عَلَى كُفْرِهِ وَلَمْ يَتُبْ وَلَمْ يُسْلِمْ يُقْتَلُ كُفْرًا بِلاَ خِلاَفٍ، وَإِنْ تَابَ وَأَسْلَمَ فَقَدْ اخْتَُلِفَ فِيهِ؛ وَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ الْقَتْلُ حَدًّا، وَقِيلَ يُقْتَلُ كُفْرًا فِي الصُّورَتَيْنِ.
وَأَمَّا سَبُّ الشَّيْخَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، فَإِنَّهُ كَسَبِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ: مَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ؛ أَوْ لَعَنَهُمَا يَكْفُرُ؛ وَيَجِبُ قَتْلُهُ؛ وَلاَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَإِسْلاَمُهُ، أَيْ فِي إسْقَاطِ الْقَتْلِ، وَقَالَ ابْنُ نُجَيْمٍ فِي الْبَحْرِ: حَيْثُ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ؛ عُلِمَ أَنَّ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ كَسَبِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلاَ يُفِيدُ الإِنْكَارُ مَعَ الْبَيِّنَةِ، قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ: مَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ أَوْ لَعَنَهُمَا يَكْفُرُ وَيَجِبُ قَتْلُهُ؛ وَلا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَإِسْلاَمُهُ فِي إسْقَاطِ الْقَتْلِ؛ لأَنَّا نَجْعَلُ إنْكَارَ الرِّدَّةِ تَوْبَةً إنْ كَانَتْ مَقْبُولَةً كَمَا لاَ يَخْفَى، وَقَالَ فِي الأَشْبَاهِ: كُلُّ كَافِرٍ تَابَ فَتَوْبَتُهُ مَقْبُولَةٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إلاَّ الْكَافِرَ بِسَبِّ نَبِيٍّ؛ أَوْ بِسَبِّ الشَّيْخَيْنِ؛ أَوْ أَحَدِهِمَا؛ أَوْ بِالسِّحْرِ؛ وَلَوْ امْرَأَةً؛ وَبِالزَّنْدَقَةِ إذَا أُخِذَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ. انتهى. فَيَجِبُ قَتْلُ هَؤُلاءِ الأَشْرَارِ الْكُفَّارِ، تَابُوا أَوْ لَمْ يَتُوبُوا لأَنَّهُمْ إنْ تَابُوا وَأَسْلَمُوا؛ قُتِلُوا حَدًّا عَلَى الْمَشْهُورِ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْقَتْلِ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ بَقُوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ قُتِلُوا كُفْرًا؛ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْقَتْلِ أَحْكَامُ الْمُشْرِكِينَ، وَلاَ يَجُوزُ تَرْكُهُمْ عَلَيْهِ بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ؛ وَلاَ بِأَمَانٍ مُؤَقَّتٍ؛ وَلاَ بِأَمَانٍ مُؤَبَّدٍ، نَصَّ عَلَيْهِ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ. وَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ نِسَائِهِمْ لأَنَّ اسْتِرْقَاقَ الْمُرْتَدَّةِ بَعْدَمَا لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ جَائِزٌ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ خَرَجَ عَنْ وِلايَةِ الإِمَامِ الْحَقِّ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ دَارِ الْحَرْبِ، وَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ ذَرَارِيِّهِمْ تَبَعًا لأُمَّهَاتِهِمْ؛ لأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ الأُمَّ فِي الاسْتِرْقَاقِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
كَتَبَهُ أَحْقَرُ الْوَرَى نُوحٌ الْحَنَفِيُّ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَالْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ. انتَهى مَا فِي الْمَجْمُوعَة الْمَذْكُورَةِ بِحُرُوفِهِ.
قالَ مَقَيدُهُ عَفا اللهُ عَنْه: ما ذكَرَهُ مِن جَوازِ سَبْيِ نِساءِ المُرْتَدِّينَ فِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ، بلِ الصوابُ المَنْعُ مِنهُ، وبَيانُهُ فِي مَحَلّْ آخَرَ إنْ شاءَ الله.
وفِِي حَاشِيَةِ رَدِّ المُحْتَارِ: مَطْلَبٌ فِي أَهْلِ الأَهْواءِ إذَا ظَهَرَتْ بِدْعَتُهُمْ: وَفِي نُورِ العَيْنِ عَنِ التَّمْهِيدِ: أَهْلُ الأَهْواءِ إِذَا ظَهَرَتْ بِدْعَتُهُمْ بِحَيْثُ تُوجِبُ الكُفْرَ فَإِنَّهُ يُبَاحُ قَتْلُهُمْ جَمِيعًا إِذَا لَمْ يَرْجِعُوا وَلَمْ يَتُوبُوا، وَإذَا تَابُوا وَأَسْلَمُوا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ