طَوِيلَةِ الأَمْد!؛ وكانَتْ هَذه الحُروبُ سَبَبًا لَوَقْفِ خُطَّةِ السلطانِ فِي أورُوبا وعائِقًا دُونَها، حَتى قالَ بَعْضُ الأورُوبِيينَ يُثْنِي علَى الصَّفَوِيِّينَ فِي وُقُوفِهِمْ ضِدَّ العُثْمانِيينَ! فِيما نَقَلَهُ عَنْهُمْ (شكِيبُ أرسلانَ) فِي حاضِرِ العالَم الإسلامِي: لولاَ الصَّفَوِيُّونَ لكُنَّا اليَومَ مُسْلِمِينَ كالجَزائِرِيِّينَ والمُرَّاكِشِيِّينَ!. انتهى.
وفِي (قِصَّةِ الحَضارَة) : وَظَلَّ العَالَمُ الإِسْلاَمِيُّ فِي الشَّرْقَيْنِ الأَدْنَى وَالأَوْسَطِ مُمَزَّقًا مُتَنَابِذًا؛ مِنْ (1508) إلَى (1638) ، وَأَفَادَ العَالَمُ الْمَسِيحِيُّ مِنْ هِذِهِ الفُرْقَةِ، حَيْثُ انْقَطَعَ سُلَيْمَانُ القَانُونِيُّ عَنْ شَنِّ هَجَمَاتِهِ عَلَى الغَرْبِ، وَوَجَّهَ حَمَلاَتِهِ نَحْوَ فَارِس، وَفِي ذَلِكَ كَتَبَ سَفِيرُ (فِرِدِينَانْدَ) فِي القُسْطَنْطِينِيَّةِ يَقُولُ: إِنَّ فَارِسَ هِيَ التِي تَقِفُ حَائِلًا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الدَّمَارِ. انْتَهى.
وقالَ فِي كلامِهِ علَى حُكْمِ الشاهِ الصفَوِيِّ عباسٍ الأَكْبَرِ؛ وهُو الخامِس من مُلُوكِ الأسْرَةِ الصفَويَّةِ التِي كَانَ قَدْ أَسَّسَهَا إِسْمَاعِيلُ الأَوَّلُ فِي تَبْريزَ سَنَةَ (1502) : إِنَّه لَمِنْ حُسْنِ حَظِّ الغَرْبِ الْمَسِيحِيِّ!! أَنَّهُ فِيمَا بَيْنَ عَامَيْ (1577) و (1638) ؛ حِينَ كَانَتْ فَرَنْسَا أَوّلًا، ثُمَّ أَلْمَانْيا مِنْ بَعْدِهَا، قَدْ شَلَّتْ حَرَكَتَهَا الحُرُوبُ الدِّينِيَّةُ؛ أَنَّ الأَتْرَاكَ الذِينَ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَمُدُّوا حُدُودَهُمُ الغَرْبِيَّةَ إِلَى (فِييَنَّا) !، وَجَّهُوا كُلَّ هَمِّهِمْ وَطَاقَتِهِمْ إِلَى فَارِس ... . انتهى.
وقالَ أَيضًا: وَكَانَ الشاهُ عَبّاسٌ يُدْرِكُ تَمَامَ الإِدْرَاكِ أَنَّ أَوْرُبَّا الغَرْبِيَّةَ تَحْمَدُ لُهُ شَغْلَهُ الأَتْرَاكَ فِي الشَّرْقِ!!، فَأرْسَلَ (سِيْر أَنْتُونِي شِيْرلِي) فِي بِعْثَةٍ لإِقَامَةِ العِلاَقَاتِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الحُكُومَاتِ المْسَيحِيَّةِ. انتهى.
كما كانَ الصفَوِيُّونَ أَيْضًا سَبَبًا مُهِمًّا بِحُرُوبِهِمْ هَذهِ لِتَقْوِيضِ دَعائِمِ الدولَةِ العُثْمانِيةِ ومَصِيرِها إلَى الضعْفِ الذِي كانَ سَبَبًا فِي إِنْشاءِ دَوْلَةِ اليَهُودِ علَى أرْضِ فِلَسطِينَ.
وأمّا ما فَعَلُوهُ فِي تارِيخِ أفْعانِستانَ الحَدِيثِ مِنْ أيامِ الغَزْوِ الرُوسِيِّ لَها إلَى يَوْمِنا هَذا؛ مِمّا شَهِدْناهُ وَشَهِدَهُ غَيرُنا، وما يَقَعُ مِنْهُم اليومَ فِي العِراقِ بَعْدَ الغَزْوِ الصلِيبِيِّ لَها فَأمْرٌ يَطُولُ شَرْحُهُ، وكَنْتُ فِي أوائِلِ التِّسْعِناتِ المِيلادِيةِ قَدْ لَقِيتُ بَعْضَ أكابِرِ عُلَماءِ أهْلِ الحَدِيثِ مِن الأفْغانِ وسَألْتُهُ عَنْ شِدَّةِ عَداءِ الشِّيَعَةِ فِي أفْغانِستانَ لأهْلِ السُّنَّةِ فِيها؟؛ فَذكَرَ لِي أَنَّ ذلكَ راجِعٌ إلى أمْرٍ تارِيخِيِّ، وهُوَ أنَّ الصفَوِيِّينَ فِي عَهْدِهِمْ وطَّنُوا الغُلاةَ مِن الشيَعَةِ فِي أفْغانِستانَ؛ قالَ: فَهُمْ إسماعِيلِيَّةٌ المُعْتَقَدِ رافِضَةٌ فِي الظاهِرِ، وإنَّما سُمُّوا (هَازَارا) لأنَّهُمْ حِينَ التوطِينِ وَزّعُوهُمْ مَجُموعاتٍ أُلُوفًا أُلُوفًا، وذلكَ هُو مَعَنى هذه الكلِمَةِ فِي العَرَبِيَّةِ؛ لأنَّ (هازار) تعَنْي ألفًا فِي الفارِسيَّةِ؛ والألِفُ المُلْحَقَةُ بالكَلِمَةِ (هازارا) فِي آخِرِها للجَمْعِ. واللهُ أَعْلَم.
والمُتَعَيِّنُ عَلَى المُسْلِمِينَ أنْ يَسْلُكُوا مَعَ هَؤلاءِ القَومِ - فَوْقَ ما يَجِبُ عَلَيْهِم مِنْ دَعْوَتِهِمْ وبَيانِ ضَلالاتِهِمْ - مَسْلكَ الحَذَرِ، كَمَا سَلَكَ الأئِمَّةُ فِي الحُكْمِ علَيْهمْ مَسلكَ الاحْتِياطِ والتَّفْصِيل، عَلَى أنَّ مَنْ أظْهَرَ مِنْهُمْ التعَصُّبَ بالعَدُوِّ الكافِرِ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُ، مَعَ التَّنْبِيهِ علَى ما تَقْتَضِيهِ السياسَةُ الشَّرْعِيَّةُ مِنْ مُراعاةِ المَصالِحِ والمَفاسِدِ فِي ذلكَ؛ ولَيْسَ تَكْثِيرُ العَدَاواتِ واسْتِثارَةُ الخُصوماتِ فِي وَقْتٍ واحدٍ مِنَ السياسَةِ الشرْعِيَّةِ فِي شَيء؛ ولا ذلكَ مِن هَدْيِ رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلمَ فِي جِهادِهِ، ولا بُدَّ مِن التفْرِيقِ بَينَ حالِ الغَلَبَةِ وَالتَّمْكِينِ وحالِ الاسْتِضْعافِ؛ ومَعْرِفَةِ ما يُلائِمُ الحالَتَينِ مِن الفِقْهِ، ومَنْ أمْكَنَ تَحْيِيدُهُ أو اسْتِمالَتُهُ من الخُصُومِ فَواجِبٌ أنْ يُصْنَعَ مَعَهُ ذلكَ، ولا تَعارُضَ بَينَ هَذا وبَينَ ما أوجَبَهُ اللهُ تعالَى مِن بَيانِ الحَقِّ للناسِ كما نُبَيِّنُهُ فِي (كِبتابِنا فِي السياسَةِ الشرْعِيَّةِ) إن شاءَ الله، وَحَتَّى لا يَتَّخِذَهُ الغُزاةُ الصلِيبِيُّونَ ذَرِيعَةً إلَى صَرْفِ أَهْلِ الإسلامِ عَمّا يَرُومُونَهُ بالمُسْلِمينَ وبلادِهِمْ مِنَ المَكْرِ والكَيْدِ؛ وشَغْلِهِمْ عَما يَجِبُ علَيْهِمْ مِن جِهادِ الصلِيبِيينَ المُعْتَدِينَ ورَدِّ عُدْوانِهِمْ، وإنَّ ربكَ لَبِالمِرْصاد.