الصفحة 135 من 207

وَقَالَ الفِرْيابِيُّ: مَنْ شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ فَهُوَ كَافِرٌ لا يُصَلَّى عَلَيْه، قيلَ لهُ: فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِهِ وَهُوُ يَقُولُ لاَ إِلَهَ إلاّ الله؟، قَالَ لاَ تَمَسُّوهُ بِأَيْدِيكُمْ ادْفَعُوا بِالخَشَبِ حَتَّى تُوارُوهُ.

وحَكَى الشوكانِي في نَيْلِ الأوطارِ ذلكَ عن الشيخِ تَقِيِّ الدينِ السُّبُكِيِّ نَقْلًا عن فَتاوِيهِ، وأَنَّهُ قال: احْتَجَّ مَنْ كَفَّرَ الْخَوَارِجَ وَغُلاَةَ الرَّوَافِضِ بِتَكْفِيرِهِمْ أَعْلاَمَ الصَّحَابَةِ لِتَضَمُّنِهِ تَكْذِيبَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَهَادَتِهِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، قَالَ: وَهُوَ عِنْدِي احْتِجَاجٌ صَحِيحٌ، ثمّ نقلَ عنْهُ الجوابَ عن قولِ المخالِفِ فانظُرْهُ هناك.

وفِي الدُّرر السنيَّةِ عَنِ الشيخِ مُحَمِدِ بِنِ الشيْخِ عَبْدِ اللطِيفِ بنِ الشيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التصْرِيحُ بتَكْفِيرِ غُلاتِهم، ونُحْوُهُ عَن الشيخِ عَبدِ اللهِ بنِ الشيخِ مُحمدٍ رحمَهما الله فِي الجَوابِ عن حُكْمِ الرافِضِةِ بَعْدَ ذكْرِ أنّهُمْ طوائفُ؛ والتصريحِ بتَكْفيرِ الغلاةِ مَنْهُم عَلَى نَحْوِ ما ذكَرَ ابنُ تَيمِيةَ، وزاد: وَأمّا تَكْفِيرُه: فَاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي ذِلك، فَمِنْهُمْ مَنْ كَفّرَهُ كَمَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ؛ وَاحَتَجَّ عَلَى كُفْرِهِ بِقَولِهِ تَعَالَى: {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} ، قَالَ: فَكُلُّ مَنْ غَاظُوهُ فَهُوَ كَافِرٌ لِهَذِهِ الآيَةِ، وَالذِي عَلَيهِ الأَكْثَرُ عَدَمُ تَكْفِيرِهِ، وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي تَكْفِيرِهِ وَقَتْلِهِ.

قُلْتُ: هَذا الذي ذَكرَهُ عن مالكٍ رَحِمَهُ اللهُ؛ حكاهُ عَنْهُ ابنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسيرِ الآيَةِ المَذكُورَةِ؛ وذكَرَ أنهُ قَدْ وافَقَهُ علَيهِ جَماعَةٌ من العُلَماء، كَما حَكَى الألُوسِيُّ فِي التَّفْسيرَ القولَ بِكُفْرِهِمْ وإباحَةِ دِمائِهِمْ وأموالِهِمْ عَن عُلَماءِ بلادِ ما وَراءَ النهْر.

فَائدَة: فِي الفَوَاكِهِ الدَّوَانِي عَلَى رِسَالَةِ القَيْرَوَانِيِّ للنَّفْرَاوِيِّ الأَزْهَرِيِّ أَحْمَدَ بِنِ غُنَيْمِ بنِ سَالِم؛ قالَ: كَمَا وَقَعَ لِلْمُصَنِّفِ (يَعْنِي القَيرَوانِيَّ أبا زَيد) حِينَ سَقَطَ حَائِطُ دَارِهِ وَكَانَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الشِّيعَةِ فاتّخَذَ كَلْبًا!، وَلَمَّا قِيلَ لَهُ: كَيْفَ تَتَّخِذُهُ وَمَالِكٌ نَهَى عَنْ اتِّخَاذِ الْكِلاَبِ فِي غَيْرِ الْمَوَاضِعِ الثَّلاثَةِ؟ فَقَالَ: لَوْ أَدْرَكَ مَالِكٌ زَمَانَنَا لاتَّخَذَ أَسَدًا ضَارِيً. انْتَهى. ونحوُهُ فِي مِنَحِ الجَلِيلِ؛ وَفِي حَاشِيَةِ العَدَوِيِّ، من كتبِ المالكية.

ثُمَّ عقّبَ فِي الدُّرَرِ السنِيَّةِ علَى ما مَضَى بأنَّ هَذا حُكْمُهُمْ فِي الأَصْل، وأما المُتَأخِّرُونَ فَزادُوا إلَيهِ الشرْكَ العَظِيمَ عِنْدَ المَشَاهِدِ وغَيْرها؛ مِما يَفُوقون بِهِ شِرْكَ العَرَبِ الأوَّلينِ، قالَ: لأَنّهُم أَضَافُوا إِلَى ذَلكَ الغُلُوَّ فِي الأَوْلِياءِ وَالصّالِحِينَ مِنْ أَهْلِ البَيْتِ وَغَيْرِهِمْ؛ واعْتَقَدُوا فِيهِمُ النّفْعَ وَالضُّرّ فِي الشدّةِ والرَّخَاءِ، وَيَرَوْنَ أَنّ ذَلكَ قُرْبَةٌ تُقَرّبُهُمْ إِلَى اللهِ، وَدِينٌ يَدِينُونَ بِهِ؛ فَمَنْ تَوَقّفَ فِي كُفْرِهِمْ والحالَةَ هَذِهِ وَارْتَابَ فِيهِ فَهُوَ جَاهِلٌ بِحَقِيقَةِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَنَزَلَتْ بِهِ الكُتُبُ، فَلْيُرَاجِعْ دِينَهُ قَبْلَ حُلولُ رِمْسِهِ. انتهى.

وفِيها أنّ الشيخَ عَبْدَ الرّحْمَنِ بنَ حَسَنٍ أفْتَى بِحُرْمَةِ حَمْلِ الرافِضَةِ إلى مَكَّةِ وأنَّ من أصرَّ علَيهِ صارَ فاسقا.

وفِي فتاوي اللجْنَةِ الدائِمَةِ سُؤالٌ عَنْ حُكْمِ عَوامِّ الرَّوافِضِ الإمَامِيَّةِ الاثْنَيْ عَشَرِية؟ وَهَلْ هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ عُلَمَاءِ أَيِّ فِرْقَةٍ مِنَ الفِرَقِ الخَارِجَةِ عَنِ المِلَّةِ وَبَيْنَ أَتْبَاعِهَا مِنْ حَيْثُ التَّكْفِيرِ أَو التّفْسِيقِ؟.

وفِي جَوَابِهِ: مَنْ شَايَعَ مِنَ العَوامِّ إِمَامًا مِنْ أَئِمَّةِ الكُفْرِ وَالضَّلالِ؛ وَانْتَصَرَ لِسَادَتِهِمْ وَكُبَرَائِهِمْ بَغْيًا وَعَدْوًا حُكِمَ لَهُ بِحُكْمِهِمْ كُفْرًا وَفِسْقًا؛ وفِي الجوابِ ذكْرُ الأدلَّةِ علَيهِ؛ فانظر الفَتْوىَ بِرَقَمِ (9247) من فَتاوى اللجْنَة.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللهُ عَنْه: قَدْ خَرَجْنا بالتطْويلِ فِي هذه النقُولاتِ عَنْ حَدِّ ما اشتَرَطْناهُ فِي هَذه النوازِلِ من الاخْتصار، لشِدَّةِ الحاجَةِ إلَيهِ وكَثْرَةِ ما يَقَعُ السؤالُ عَنه، وقَدْ شَهِدْنا وَشهَدَ المُسْلِمُونَ فِي عَصْرِنا هَذا مِنْ صَنائِعِ الرافِضَةِ بأهْلِ السنَّةِ ما يَضِيقُ المَقامُ عَن حِكايَتِهِ؛ فَإنَّهُ لَم يَزَلْ هَؤلاءِ القَوْمُ عَلَى مَرِّ التارِيخِ عَوْنًا للأُمَمِ الكافِرَةِ علَى الإسلامِ وأهْلِهِ!، وحَسْبُكَ أنْ تَعْلَمَ أَنَّهُم كانُوا الثَّغْرَةَ التِي نَفِذَ مِنْها النصارَى لإيقافِ الزَّحْفِ العُثْمانِيِّ إلَى المَمالِكِ الأورُوبِيَّةِ الذِي كانَ السلْطانُ (سَلِيمُ الأَوَّلُ) رَحِمَهُ اللهُ عازِمًا علَيْهِ لِيَضُمَّ بِذلكَ المَمالكَ الأورُوبِيَّةَ كُلَّها إلى الدولَةِ العُثْمانِيةِ؛ وَيَصِلَ شَرْقَ العالِمِ الإسلامِيِّ بِغَرْبِهِ الأَقْصَى!، غَيْرَ أنّ الأورُوبِيينَ لَجَأُوا إلى تَحْرِيضِ الصَّفَوِيينَ عَلى الدولَةِ العُثْمانِيةِ؛ مِمّا حَمَلَها عَلى خَوْضِ حُروبٍ مَعَها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت