كَانَتْ ظَاهِرَةَ الْبُطْلاَنِ بِالنَّظَرِ إلَى الدَّلِيلِ، فَبِسَبَبِ تِلْكَ الشُّبْهَةِ - الَّتِي أَدَّى إلَيْهَا اجْتِهَادُهُمْ - لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِمْ؛ - مَعَ أَنَّ مُعْتَقَدَهُمْ كُفْرٌ - احْتِيَاطًا؛ بِخِلافِ مِثْلِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الْغُلاَةِ فَتَأَمَّلْ. انتهى.
وَفِي حَاشِيَةِ رَدِّ المُحْتَارِ: وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الصَّحِيحَ فِي المُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ؛ أَنَّهُ لاَ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِمْ وَإِنْ سَبُّوا الصَّحَابَةَ أَوِ اسْتَحَلُّوا قَتْلَنَا بِشُبْهَةِ دَلِيلٍ؛ كالْخَوَارِجِ الذِينَ اسْتَحَلُّوا قَتْلَ الصَّحَابَةِ، بِخِلاَفِ الغُلاَةِ مِنْهُمْ كَالقَائِلِينَ بِالنُّبُوَّةِ لِعَلِيٍّ، والقَاذِفِينَ للصِّدِّيقَةِ، فَإنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ شُبْهَةُ دَلِيلٍ؛ فَهُمْ كُفَّارٌ كالفَلاَسِفَةِ؛ كَمَا بَسَطْنَاهُ فِي كِتَابِنَا (تَنْبِيهِ الوُلاةِ وَالحُكَّامِ عَلَى حُكُمِ شَاتِمِ خَيْرِ الأَناَم) ، وَقَدَّمْنَا بَعْضَهُ فِي بَابِ الرِّدَّةِ، وَبِهِ ظَهَرَ مُرَادُ (البَحْرِ) بِغَيْرِ الكَافِرِ مِنْهُمْ؛ وَلِذَا شَبَّهَهُ بِالكَافِرِ، وَبِهِ سَقَطَ اعْتِرَاضُ النّهْرِ بِأَنَّ الرَّافِضِيَّ السابَّ للشَّيْخَيْنِ دَاخِلٌ فِي الكَافِر، وَكَذَا مَا أَجَابَ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنّ مُرَادَ (البحْرِ) المُفَضِّلُ لاَ السابُّ، فَافْهَم. انتهى.
وحَكَى ابنُ مُفْلِحٍ فِي الفروعِ عَن أحْمدَ رَحِمَهُ اللهَ أنّ مَنْ كَفَّرَ أَهْلَ الْحَقِّ وَالصَّحَابَةَ وَاسْتَحَلَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ بِتَاوِيلٍ فَهُمْ خَوَارِجٌ بُغَاةٌ فَسَقَةٌ، وَعَنْهُ: كُفَّارٌ. انتهى، ونَقَلَ عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ فِي الإِرْشَادِ عَنْ أَصحابِهِم الحنابِلَةِ تَكْفِيرَ مَنْ خَالَفَ فِي أَصْلٍ، كَخَوَارِجٍ وَرَافِضَةٍ وَمُرْجِئَةٍ، وَحَكَى عَنْ غَيرِهِ رِوَايَتَيْنِ فِيمَنْ سَبَّ صَحَابِيًّا غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ، وَأَنَّ مُسْتَحِلَّهُ كَافِرٌ.
وحَكَى كَذلكَ عَن شَيخِ الإسلامِ أنّ نُصُوصَ أَحْمَدَ صَرِيحَةٌ عَلَى عَدَمِ كُفْرِ الْخَوَارِجِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَغَيْرِهِمْ وَإِنَّمَا كَفَّرَ الْجَهْمِيَّةَ لاَ أَعْيَانَهُمْ، قَالَ: وَطَائِفَةٌ تَحْكِي عَنْهُ رِوَايَتَيْنِ فِي تَكْفِيرِ أَهْلِ الْبِدَعِ مُطْلَقًا، حَتَّى الْمُرْجِئَةِ وَالشِّيعَةِ الْمُفَضِّلَةِ لِعَلِيٍّ، قَالَ: وَمَذَاهِبُ الأَئِمَّةِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى التّفْصِيلِ بَيْنَ النَّوْعِ وَالْعَيْنِ. وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ: مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمْ النَّبِيُّ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلاَمِ مِنْ الإسْلاَمِ الْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ وَالرَّافِضَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ، فَقَالَ: لاَ تُصَلُّوا مَعَهُمْ وَلاَ تُصَلُّوا عَلَيْهِمْ، وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ فِي الصَّحَابَةِ خَيْرًا مِنْ أَبِي بَكْرٍ فَوَلاّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ افْتَرَى عَلَيْهِ وَكَفَرَ بِأَنْ زَعَمَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقِرُّ الْمُنْكَرَ بَيْنَ أَنْبِيَائِهِ فِي النَّاسِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ ضَلاَلِهِمْ. انتهى.
ونَحْوُ هَذا فِي نِهايَةِ المُبْتَدِي، وَذَكَرَ عَنِ ابْنِ حَامِدٍ فِي أُصُولِهِ كُفْرَ الْخَوَارِجِ وَالرَّافِضَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ، وأنهُ قال: وَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْ مَنْ كَفَّرْنَاهُ فُسِّقَ وَهُجِرَ!، وَفِي كُفْرِهِ وَجْهَانِ، وَاَلَّذِي ذَكَرَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ الْمَرْوَذِيِّ وَأَبِي طَالِبٍ وَيَعْقُوبَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ لاَ يُكَفَّرُ. انْتَهى.
قُلْتُ: قَوْلُهُ: ومَنْ لمْ يُكَفِّرْ مَنْ كَفَّرْناهُ فُسِّقَ وهُجِرَ، غَيرُ صَحيحِ، فإنَّ الحُكْمَ عَلى مَعَيَّنٍ بالكُفْرِ بِشرْطِهِ مِن قِيامِ المُقْتَضِي وانْتِفاءِ المانِعِ حُكْمٌ اجْتِهادِيٌّ، فَكَيفَ يُلْزَمُ بِهِ مُجْتَهِدٌ آخَر؟!، نَعَمْ؛ إِن كانَ المُرادُ ماَ وَرَدَ بِهِ النّصُّ فَمُسَلَّمٌ، لكنْ لا بُدَّ مِن التَّفْرِيقِ بَينَ هَذا وبَينَ إنْزالِ النصِّ عَلى مَعَيَّنٍ فِإِنَّهُ حُكْمٌ اجْتِهادِيٌّ كَما أشرْنا إلَيه، وهَذا مِن المَواضِعِ التِي يَقَعُ بِسَبَبِ الجَهْلِ بِها كَثِيرٌ مِن الجُرْأَةِ عَلى الشرْعِ وَالغُلُوِّ فِي التَكْفِيرِ، كما نَفَصِّلُهُ فِي غَيرِ هَذا الْمَحَلِّ إن شاءَ الله.
وفِِي الفُرُوعِ مِنْ رِوَايَةِ المَيْمُونِيِّ عَنْ أحمْدَ رَحِمَهُ اللهُ أنهُ قال: لاَ أَشْهَدُ الجَهْمِيَّةَ ولاَ الرَّافِضَةَ وَيَشْهَدُهُ مَنْ شَاءَ، قَدْ تَرَكَ النَّبِيُّ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ الصلاَةَ علَى أَقَلّّ مِنْ ذَا: الدَّيْنُ وَالغُلُولُ وَقَاتِلُ نَفْسِهِ.
قالَ أَبُو الوَليدِ عَفا اللهُ عَنْه: إنما تَركَ أحْمدُ الصلاةَ عَلَيْهِم تَغْلِيظًا؛ لا تَكْفيرًا، بدليلِ قولِهِ: ويشهدُهُ من شاءَ، وبدليل: مَن ذكَرَ تَرْكَ النبيِّ صلى الله عليهِ وسلمَ الصلاةَ علَيهم.
وَقَالَ أَبو بَكْرٍ بنُ عَيَّاش: لاَ أُصَلِّي عَلَى رَافِضِيٍّ وَلاَ حُرُورِيّ.