قُلْتُ: مَفْهُومُهُ أن مَنْ لَمْ يُصَرِّحْ بالكُفْرِ مِنهمْ عُومِلَ مُعامَلَةَ المُسْلِمِ فِي الظاهِرِ؛ كَحالِ المُنافِقِينَ سواءٌ بِسواء، وهُوَ الصوابُ، والله أعلَم.
وقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَر: وَقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ مُبْتَدِعَةِ الْمُسْلِمِينَ: مِنْ الرَّافِضَةِ والجهمية وَغَيْرِهِمْ إلَى بِلاَدِ الْكُفَّارِ فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَانْتَفَعُوا بِذَلِكَ وَصَارُوا مُسْلِمِينَ مُبْتَدِعِينَ وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَكُونُوا كُفَّارًا، وَكَذَلِكَ بَعْضُ الْمُلُوكِ قَدْ يَغْزُو غَزْوًا يَظْلِمُ فِيهِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارَ وَيَكُونُ آثِمًا بِذَلِكَ وَمَعَ هَذَا فَيَحْصُلُ بِهِ نَفْعُ خَلْقٍ كَثِيرٍ كَانُوا كُفَّارًا فَصَارُوا مُسْلِمِينَ؛ وَذَاكَ كَانَ شَرًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَائِمِ بِالْوَاجِبِ؛ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكُفَّارِ فَهُوَ خَيْرٌ. انْتَهى.
وهذا تَفْريقٌ من الشيخِ رحِمَهُ اللهُ بَينَ الغلاةِ مِنْهُمْ وغَيرِهِم؛ فالأولونَ كفارٌ دونَ الآخرين.
وَفِي خَلْقِ أَفْعالِ العِبادِ للبُخارِي (40) ؛ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (هُوَ البُخارِيُّ) : مَا أُبَالِي صَلَّيْتُ خَلْفَ الْجَهْمِيِّ وَالرَّافِضِيِّ، أَمْ صَلَّيْتُ خَلْفَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى!، وَلاَ يُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ؛ وَلاَ يُعُادُونَ (من عِيادَةِ المرِيضِ) ؛ وَلاَ يُنَاكَحُونَ؛ وََلاَ يُشْهَدُونَ (أيْ: جَنائِزُهُم) ؛ وَلاَ تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ.
وفِي الصارِمِ كذلكَ عَنْ أَحْمَدَ بنِ يُونَسَ الإمامِ - وهُو مِن رِجالِ الستَّةِ - المُتَوفّى سَنَةَ (227) : لَوْ أَنَّ يَهُودِيًّا ذَبَحَ شاةً, وَذَبَحَ رَافِضِيٌّ؛ لأَكَلْتُ ذَبِيحَةِ اليَهُودِيِّ, وَلَمْ آكُلْ ذَبِيحَةَ الرَّافِضِيِّ, لأَنَّهُ مُرْتَدٌّ عَنِ الإِسْلاَمِ.
وقالَ ابنُ حَزْمٍ فِي الفِصَلِ رَدًّا علَى النصارَى الذينَ طَعُنُوا فِي القُرْآنِ مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِ الشيَعَةِ فِي تَحْرِيفِ القُرْآن: وَأَمّا قَوْلُهُمْ فِي دَعْوَى الرَّوافِضِ تَبْدِيلَ القُرْآنِ؛ فَإِنَّ الرَّوَافِضَ لَيْسُوا مِنَ المُسْلِمِينَ؛ إِنّمَا هِيَ فِرَقٌ حَدَثَ أَوَّلُهَا بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ مَبْدَؤُهَا إِجَابَةً مِمّنْ خَذَلَهُ اللهُ تَعالَى لِدَعْوَةِ مَنْ كادَ الإِسْلامَ، وَهِيَ طَائِفَةٌ تَجْرِي مَجْرَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي الكَذِبِ وَالكُفْرِ. انتهى.
ورَأَيْتُ فِي تَبْيينِ الحَقَائِقِ شَرْحِ كَنْزِ الدَّقَائقِ من كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ قَوْلَهُ: وَفِي الرَّوَافِضِ إنْ فَضَّلَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الثَّلاَثَةِ فَمُبْتَدِعٌ، وَإِنْ أَنْكَرَ خِلاَفَةَ الصِّدِّيقِ أَوْ عُمَرَ فَهُوَ كَافِرٌ. انتهى. ونَحُوهُ فِي فَتْحِ القدير.
وفِي البَحْرِ الرّائِقِ تَفْصِيلٌ حَسنٌ؛ أَذكُرُهُ هَنا بِتَمامِهِ لما فِيهِ من الفائدَة، قَالَ: أَمَّا لَوْ كَانَ مُؤَدِّيًا إلَى الْكُفْرِ فَلاَ يَجُوزُ أَصْلًا؛ كَالْغُلاَةِ مِنْ الرَّوَافِضِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الأُلُوهِيَّةَ لِعَلِيٍّ أَوْ أَنَّ النُّبُوَّةَ لَهُ؛ كَمَنْ غَلّطَ جِبْرِيلَ؛ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ كُفْرٌ؛ وَكَذَا مَنْ يَقْذِفُ الصِّدِّيقَةَ؛ أَوْ يُنْكِرُ صُحْبَةَ الصِّدِّيقِ أَوْ خِلافَتَهُ؛ أَوْ يَسُبُّ الشَّيْخَيْنِ؛ وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ بِكُفْرِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ وَنَحْوِهِمْ مَعَ مَا ثَبَتَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ مِنْ عَدَمِ تَكْفِيرِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ كُلِّهِمْ؛ مَحْمَلُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْمُعْتَقَدَ نَفْسَهُ كُفْرٌ؛ فَالْقَائِلُ بِهِ قَائِلٌ بِمَا هُوَ كُفْرٌ؛ وَإِنْ لَمْ يَكْفُرْ؛ بِنَاءً عَلَى كَوْنِ قَوْلِهِ ذَلِكَ عَنْ اسْتِفْرَاغِ وُسْعِهِ مُجْتَهِدًا فِي طَلَبِ الْحَقِّ، لَكِنَّ جَزْمَهُمْ بِبُطْلانِ الصَّلاَةِ خَلْفَهُمْ لاَ يُصَحِّحُ هَذَا الْجَمْعَ، اللَّهُمَّ إلاَّ أَنْ يُرَادَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ عَدَمُ الْحِلِّ مَعَ الصِّحَّةِ، وَإِلاَّ فَهُوَ مُشْكِلٌ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ الْهُمَامِ، وَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ الْمَنْقُولُ عَلَى مَا عَدَا غُلاَةِ الرَّوَافِضِ وَمَنْ ضَاهَاهُمْ؛ فَإِنَّ أَمْثَالَهُمْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمْ بَذْلُ وُسْعٍ فِي الاجْتِهَادِ؛ فَإِنَّ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ عَلِيًّا هُوَ الإلَهُ!! أَوْ بِأَنَّ جِبْرِيلَ غَلِطَ! وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ السُّخْفِ؛ إنَّمَا هُوَ مُتَّبِعٌ مَحْضَ الْهَوَى وَهُوَ أَسْوَأُ حَالًا مِمَّنْ قَالَ: {مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى} ، فَلاَ يَتَأَتَّى مِنْ مِثْلِ الإمَامَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ أَنْ لاَ يَحْكُمَا بِأَنَّهُمْ مِنْ أَكْفَرِ الْكَفَرَةِ؛ وَإِنَّمَا كَلاَمُهُمَا فِي مِثْلِ مَنْ لَهُ شُبْهَةٌ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ كُفْرًا، كَمُنْكِرِ الرُّؤْيَةِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ فِيهِ إنْكَارَ حُكْمِ النُّصُوصِ الْمَشْهُورَةِ وَالإجْمَاعِ؛ إلاّ أَنَّ لَهُمْ شُبْهَةَ قِيَاسِ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا عُلِمَ فِي الْكَلاَمِ، وَكَمُنْكِرِ خِلاَفَةِ الشَّيْخَيْنِ وَالسَّابِّ لَهُمَا؛ فَإِنَّ فِيهِ إنْكَارَ حُكْمِ الإجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ، إلاَّ أَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ حُجِّيَّةَ الإجْمَاعِ بِإِتْهَامِهِمْ الصَّحَابَةَ؛ فَكَانَ لَهُمْ شُبْهَةٌ فِي الْجُمْلَةِ؛ وَإِنْ