الصفحة 129 من 207

بقي هنا ما نُقِلَ عَنْ بَعْضِ العلماء أنه قال: أنزلت هذه الآية قبلَ الأمر بقتال المشركين كافة، فلما نزلت: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) صارت ناسخة لهذه الآية, وهذا حكاه الرازي في التفسير عن الحسن البصري -رحمه الله-، ثم نَقَلَ عَنِ الْمُحَقِّقِينَ مِن العلماء إنكارَ النسخ؛ وذكرَ وجوهًا ثمانية لترجيح الابتداء بالغزو من المواضع القريبة فانظرها هناك إن شئت.

قال العلامة أبو الطيب البخاري في فتح البيان (3/ 196) : وقال المحققون من العلماء: ولا وَجْهَ للنسخ؛ فإنه تعالى أمر بقتالهم كافةً؛ وأرشدهم الطريقَ الأصوبَ الأصلح, وهو أن يبدأوا بالأقرب فالأقرب مكانيًا لا قربًا نسبيًا حتى يصلوا إلى الأبعد فالأبعد؛ وبِهذا الطريق يحصُلُ الغرضُ مِن قتال المشركين كافة؛ لأن قتالَهم في دفعةٍ واحدة لا يُتَصَوَّرُ، ولهذا السبب قد قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أولًا قومَه ثم انتقل منهم إلى قتال سائرِ العرب, ثم إلى قتال أهْلِ الكتاب وهم قُرَيْظَةُ والنضيرُ وخَيْبَرُ وَفَدَكُ, ثم انتقلَ إلى غَزْوِ الروم والشام فكان فَتْحُهُ في زمن الصحابة رضي الله عنه، ثم إنَّهم انتقلوا إلى العراق، ثم بعد ذلك إلى سائر الأمصار، لأنه إذا قاتل الأقربَ أولًا تقوّى بما يَنالُ منهم من الغنائِمِ على الأبعد. انتهى.

وأما التحولُ من مَحَلٍّ إلى مَحَلٍّ؛ ومِنْ ثَغْرٍ إلى ثَغْرٍ دونَ إذن الأمير فلا يَجُوُز؛ ما دام الأمير قائمًا بفرْضِ الجهاد في سبيل الله؛ لعموم الأدلة الواردةِ بوجوب السمع والطاعة للأمير المسلم، ولأن المُفْتَرَضَ فِي الأمير أنهُ أقومُ بتقديرِ المصالِح العامة للمسلمين وأعرفُ بمواضِعِ الحاجة والضرورة، ولا تعارُضَ بين ذلك وبينَ كَونِ الجهاد فرضَ عين.

قال ابن قدامة في الكافي: إذا نزل الكفار ببلد المسلمين تَعَيَّنَ على أهله قتالُهم والنفيرُ إليهم, ولم يَجُزْ لأحد التخلُّفُ إلا من يُحْتاجُ إلى تَخَلُّفِه لحفظ الأهل والمكان والمال، ومن يَمْنَعُهُ الأمير مِن الخروج. انتهى.

وفي مسند الإمام أحمد (4867) أن ابنَ عَوْنٍ كَتَبَ إلى نافِعٍ يسأله: فذكر مسائلَ منها: وهل يحملُ الرجلُ إذا كان في الكَتِيبَةِ بغير إِذْنِ إِمامِهِ؟

فأجاب: وأما الرجلُ فلا يَحْملُ على الكتيبة إلا بإذْنِ إمامِه. والله أعلم.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللهُ عنه: حيثُ ذكَرْنا وجُوبَ السمْعِ والطاعَةِ للأمَراءِ فإنَّهُ عامٌّ يدخُلُ فيهِ أمراءُ عامَّةِ المُجاهدينَ وأُمراءُ الكتائِبِ والسرايا؛ مَعَ التنْبِيهِ علَى إخراجِ مَنْ كانَ اجْتِماعُهُ لأجْلِ عَصَبِيَّةٍ جاهِلِيَّةٍ؛ أو حَمِيَّةٍ لحِزْبٍ أو طائِفَةٍ لا تَزيدُ أهلَ الإسلامَ إلا فُرْقَةً وشقاقًا؛ كَمَنْ يَحْجُرُ على مَنْ تَحْتَ يدِهِ مِن المُسْلِمينَ ويَمْنَعُهُمْ مِن إفادَةِ من كانَ من غَيْرِ طائفَتَهِ أو حِزْبِهِ مَعَ علْمِهِ بِحاجَتِهِمْ إليه؛ وأنَّهُ لا يَمْنَعُ مِنْ مَعُونَتِهِمْ مانِعٌ شَرْعِيٌّ مَعْتَبر، وإنما هِيَ الأهْواءُ والحَسَدُ الذميم!؛ فَمِثْلُ هذا مِن الأمراءِ لا سَمْعَ لهُ ولا طاعَة؛ بلْ طاعَتُهُ وما يَتَرَتَّبُ علَيها منْ حِرْمانِ المُسْلِمينَ مِمَّا يَحتاجُونَ إليهِ من العَونِ حَرامٌ لا يَجُوز؛ لأنهُ تعاوَنٌ على الإثمِ والعُدْوان، وإنما أباحَ اللهُ تعالى التعاوُنَ على البرِّ والتقوى، وإنما الطاعَةُ في المَعْرُوفِ، نَعَمْ؛ علَى الإنْسانِ أنْ يَتَّقِيَ اللهَ تعالَى حتى لا يُصْبِحَ مِثْلُ هذا ذريعَةً إلى الفرقَةِ والخلافِ، والتفَلُّتِ مِنَ التكاليفِ التي تُوجبُ اجتماعَ الكلِمَةِ؛ والله تعالَى عَليمٌ بذاتِ الصدور؛ لا تَخْفى عليه خافية، وبالله التوفيق.

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

كان الله له

أبو الوليد الغزي الأنصاري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت