الصفحة 128 من 207

انتهاز الفرصة في المسلمين لاشتغالهم عنه. ثم قال: فإذا كان له عُذْرٌ في البداية بالأبعد لكونه أخوفَ أو لِمَصْلَحَةٍ في البداية بهِ لقُرْبِهِ وإمكان الفرصة منه أو لكون الأقرب مهادنًا، أو يَمْنَعُ من القتال منه مانِعٌ فلا بأسَ بالبدايةِ بالأبعد لكَوْنِهِ موضِعَ حاجة.

وقال الشافعي -رحمه الله- في الأُم (4/ 177) : فإن اختلف حالُ العدو فكانَ بعضُهم أنكى مِن بعض أو أخوفَ من بعض؛ فليبدأ الإمامُ بالعدو الأخوفِ الأنكى، ولا بأس أن يفعلَ وإن كانَتْ دارُه أبعد -إن شاء الله-، حَتّى مَا يَخَافُ مِمّنْ بَدَأَ بِهِ مِمّا لا يَخَافُ مِنْ غَيرِهِ مِثْلَهُ، وتكونُ هذه بِمَنْزِلَةِ الضرورة، لأنه يَجُوزُ فِي الضرورة ما لا يجوزُ فِي غيرها، وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم عن الحارثِ بن ضِرار أنه مُجَمِّعٌ له فأغار النبي صلى الله عليه وسلم وقربَهُ عدو أقربُ منه، وبلغه أن خالدَ بنَ أَبِي سفيان يَجَمِّعُ له فأرسلَ ابنَ أُنَيْسٍ فقتله وقربَهُ عدو أقرب. انتهى

قلت: ولا فَرْقَ فِي ذلك بين جهادِ الطلب وجِهادِ الدفْعِ فإن الحكم واحدٌ لا ستواء العلة، ويؤيد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قَصَدَهُ العدو عام الخندق خرج بمن معه من المسلمين في نحو ثلاثة آلاف وقيل سبعمائة فأسندوا ظهورهم إلى جبلِ سَلْعٍ وجعلوا وجوههم قِبَلَ العدو؛ وانْشَغَلَ النبي صلى الله عليه وسلم بقِتَالِهم حتى ردَّ الله كيدَهُمْ وانقلبوا خاسئين؛ مع ما بلَغَهُ من صنيع بني قريظة ونَقْضِهِمْ عهدَ النبي صلى الله عليه وسلم وخَفْرِهم ذمَّتَهُ؛ وكانوا قريبًا من ثمانمائة مقاتل؛ فلم يَسِرِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم حتى فَرَغَ مِنْ قُرَيْشٍ وغطفانَ ومَنْ مَعَها مِنَ الأحْزابِ؛ ورجع صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مؤيدًا مَنْصُورًا؛ فجاءه جبريل عليه الصلاة والسلام وأمره بالخروج إلى بني قريظة؛ فأمر المسلمين بالنفير إليهم وخَرَجَ إليهم وحاصرهم حتى نزلوا على حَكْمِ سعدِ بنِ معاذ رضي الله عنه.

وقال: ابن جرير رحمه الله (11/ 52) :: ابدأوا بقتال الأقرب فالأقرب إليكم دارًا دون الأبعد فالأبعد ...

قال: فأما بعد أن فتح الله على المؤمنين البلادَ فإن الفرضَ على أهل كلِّ ناحية قتالُ من يَلِيهم من الأعداء دون الأبعد منهم؛ ما لم يضطروا إليهم أهلُ ناحيةٍ أُخْرَى مِنْ نَواحِي بلاد الإسلام؛ فإن اضطروا إليهم لَزِمَ عَونُهم ونَصْرُهم لأن المسلمين يدٌ على من سواهم.

وقال النَّسَفِيُّ في تفسيرها: القتال واجبُ مع جميع الكفرة قريبِهم وبعيدهم ولكن الأقربَ فالأقربَ أوجَبُ. انتهى.

وقال الشوكانِي: وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قي قوله: قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ، قال الأدنى فالأدنى.

وأما ما نقل عن ابن المبارك- رحمه الله- كما حكاه ابن قدامة -رحمه الله- أنه كان يقدِّم قتالَ الرومَ على قتالِ الترْكِ ولأجل ذلك ترك ثغورَ خراسان وقَدِمَ إلى طَرَسُوسَ من ثُغُور الشام, حتى قيلَ له: تركتَ قتال العدو عندكَ وجِئْتَ إلى هنا! قال: هؤلاء أهلُ كتاب، فهذا حكاه ابن العديم في تاريخ حلب (1/ 202) : قال أحمد بن حرب: قدِمَ ابنُ المبارك طَرَسُوس فأقام بِها مُدّةً وبالْمِصِّيصَةِ غازيًا سنين، قالَ له أبو إسحاق الفزاري: يا أبا عبد الرحمن! تركتَ ثغور خراسان، الواشَجَرْدَ وقَزْوِينَ وقد قال الله تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ؟ قال يا أبا إسحاق وجدت أيةً أَوْكَدَ مِنْ هذه، قال الله عز وجل (قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ) قال: ثم قال: هؤلاء يقاتلون على دُنْيانا -يعني الترك والديلم-, وهؤلاء يُحاربُونَنَا على ديننا -يعني الروم- فأيهما أولى: الذبُّ عن ديننا أو عن دنيانا؟ قال: لا بل عن ديننا! لا بل عن ديننا!. وقد سئل الإمام أحمد -رحمه الله- فقال: ما أدري ما هذا القول! يترك العدو عنده ويجيء إلى هنا! أفيكون هذا؟! أَوَ يستقيم هذا؟! وقد قال الله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ) , لو أنّ أهل خراسان كلهم عملوا على هذا لم يجاهد التُّرْكَ أحد!!.

وأجاب عنه ابن قدامة -رحمه الله- في المغني فقال (10/ 368) : وهذا والله أعلم إنما فعله ابنُ المبارك لكونه متبرعًا بالجهاد والكفاية حاصلةٌ بغيره من أهل الديوان وأجنادِ المسلمين، والمتبرعُ لَهُ تَرْكُ الجهَادِ بالكُلِّيَّةِ، فكانَ لَهُ أَنْ يُجَاهِدَ حيثُ شاءَ ومَعَ مَنْ شاءَ.

وفي التعريف بالمصطلح الشريف (204) لابنِ فَضْلِ الله العُمَرِيِّ (المتوفي سنة 749) قال: وكانَ شيخُنا ابنُ تيمية -رحمه الله- يرى أن قِتالَهم (يعني التتار) وقتال النُصَيْرِيَّةِ أولى من قتال الأَرْمَنِ؛ لأنهم عدوٌّ في دار الإسلام وشرُّ بقائهم أَضَرُّ؛, وله نحو هذا في مجموع فتاويه رحمه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت