الصفحة 127 من 207

بسم اللهِ الرحْمَنِ الرحيم

في أيِّ الثغُورِ يُجاهِدُ المُسْلِمُ؟.

رقم الفتوى: 56/ 7 / 246

من المعلومِ في زماننا أن العدوَّ الصائلَ قد حلَّ في كثير من بلادِ المسلمين ففي أي الثغور يقاتلُ المسلم؟ وهل هناك وجهٌ يترجح به بعضُها على بعض فيكونَ القتالُ فيه أولَى أم لا؟ وهل يجوزُ له التحولُ من مَحَلٍّ إلى محلّ دون إذْن الأمير أم لا؟

والجواب وبالله التوفيق: إذا حلّ العدوُّ من بلاد المسلمين ديارًا عدّةً قاتل أهل كل دار من يليهمْ من العدو والدليل عموم قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) ولأنَّ دفع العدو الصائل واجبٌ على الفور على كل قادر عليه، والأقربُ من العدو أقْدرُ على ذلك من غيره، ولأنه ربما انْدَفَعَ ضررُهُ بالأقرب فيُكفَى من يليه من المسلمين ذلك، وأيضًا فإذا تَرَكَ الأقرَب وانتقل إلى قتال الأبعد فربَّما انتهز العدو الفرصة وتوسع في بلاد المسلمين وتمكن منْها فتفوتَ فُرْصَةُ دفعه.

فإن كانت الحاجَةُ تَدْعُو إلى الانتقال لقتالِ الأَبْعَدِ وتقديمِه على غيره جاز ذلك؛ كما لو مَنَعَهُ مانع من قتال الأقرب، أو كان الأبعدُ أشدَّ خطرًا وأعظمَ نكاية في المسلمين، أو كان يطمع في انتهاز فرصة في العدو الأبعد فيقاتلُه ثم يَكِرُّ راجعًا لقتال الأقرب، أو كان المسلمون الذين يقاتلُون الأبعدَ أحوَج إليه من غيرهم في خِبْرَةٍ قتالية أو دِرَايَةٍ حَرْبِيَّةٍ ونحو ذلك من الأسباب؛ فيجوز له التحولُ إلى الأبعد إن شاء الله تعالى؛ بل ربما كان البدْءُ بالأبعد والتحَوُّلُ إليه فِي بعض الصور مُسْتَحَبًا أو واجبًا والله أعلم.

وبنحو ما ذكرنا قال العلماء رحمهم الله:

قال ابن عباس رضي الله عنهما في الآية السابقة: أمر سبحانه المؤمنين أن يجتهدوا في مقاتلة من يليهم من الكفار في الدار والبلاد والنسب، وقيل: مثلُ قُرَيْظةَ والنضيرِ وخيبرَ ونحوِها.

وقال ابن عمر: هم الروم لأنهم كانوا سكانَ الشام؛ والشام أقربُ إلى المدينة من العراق، وقيل: همُ الديلم.

وقال ابن زيد: هم العرب، قاتلوهم حتى فرغوا منهم، ثم أُمِرُوا بقتال أهل الكتاب وجهادهم حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وهكذا المفروض على أهل كلِّ ناحية أن يقاتلوا من وَلِيَهُمْ وأَنْ يَاخُذُوا فِي حربِهم بالغلظة والشدة كما قال.

وقال الحسن: صبرًا على جهادهم، والجهادُ واجبٌ لكل الكفار وإن كان الابتداءُ بمن يلي المجاهدين منهم أهمُّ وأقدمُ؛ ثم الأقرب فالأقرب. فتح البيان (3/ 197) .

ولابن كثير -رحمه الله تعالى- كلام حسن على هذه الآية لولا طوله لنقلناه فانظره في تفسيره إن شئت.

وقال ابنُ قُدَامَةَ -رحمه الله- في الكافي (4/ 258) : ويُقَاتِلُ كلُّ قَوْمٍ مَنْ يَلِيهِمْ مِنَ العدو لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ) ولأنّهم أهمُّ فَتَجِبُ البَدَاءَةُ بِهم، إلا أن تدعوَ الحاجَةُ إلى البداءة بغيرهم؛ إمّا لانْتِهازِ فُرْصَةٍ فِيهِمْ أو خوفِ الضرّرِ بتركهم أو لمانعِ من قتال الأقرب فيبدأ بالأبعد لذلكَ.

وقال في المغني (10/ 368) في شرح قولِ الخِرَقِي: ويُقَاتِلُ كلُّ قوم من يليهم من العدو، الأصلُ في هذا قولُ الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ) ، ولأن الأقربَ أكثرُ ضررًا، وفي قتاله دفعُ ضرره عن المقابِلِ له وعَمَّن وراءَهُ، والاشتغالُ بالبعيد عنه يمكِّنه من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت