الصفحة 125 من 207

وفي الجملة فالدليل حاصلٌ إن شاء الله بما ذكرناه؛ فلو خرجَ المجاهدُ من الثغر لضرورة أو حاجَةٍ؛ وهو عاقد العزم على الرجوع إلى الثغر متى انقضتْ لم يكن في ذلك بأسٌ إن شاءَ ولا يُسَمى تاركا للجهاد أصلا؛ ما دامتْ نيتُهُ معقودةً على القيام به؛ وإنما الأَعْمالُ بالنِّياتِ وإنما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى.

وأيضا؛ فالحال الذي صارَ إليه زمانُنا من التضييقِ على المسلم؛ وعدمِ وجودِ دارٍ يأوي إليها تحُوطُهُ وتنْصُرُهُ وترْعَى حُرمَتَهُ وحقَّهُ؛ يوجِبُ فرقًا ظاهرًا يُبايِنُ ما كان عليه المسلون في الأعصارِ الماضِيَةِ وشريعةُ الله نافِذةٌ قائمةٌ؛ مرهوبَةُ الجانبِ؛ والمسلمُ مكرَّمٌ مصون؛ يخرجُ إلى الغزو من دار الإسلام وأهلُه وولدُه ومالُه محفوظونَ بدولةِ العدْلِ وسلطان الإسلام!؛ لا يحولُ بينه وبينهم شيء متى أرادَ العودةَ إليهم والاطْمِئنانَ على أحوالِهم، ومن قواعِدِ الشريعةَ أن الأمرَ إذا ضاقَ اتسع!؛ وأي ضيق أعظم من الحال الذي يعيشُ فيه المسلم المجاهد اليوم؟!؛ وإنا لله وإنا إليه راجعون.

نَعْمْ في عامَّةِ أهْلِ الإسلامِ خَيْرٌ كَثِيرٌ إن شاءَ الله، وعَلَى جَماعاتِ المُسْلِمينَ القِيامُ بحَقِّ أَهْلِ الغازي فِي أهْلِهِ وصَوْنِهِم ورِعايتَهِمْ؛ ومن خَلَفَ غازِيًا في أَهْلِهِ فقدْ غَزا.

ومن الخطأ تنزيلُ ما ذكره العلماء رحمهم الله تعالى من أحكام الهجرة والجهادِ في زمانِ العزةِ والمنَعَةِ والقوة؛ على زماننا هذا زمانِ الاستضعافِ؛ والحالُ كما قال ربنا تبارك وتعالى: تخافون أن يتَخطَّفكم الناس!؛ بل الواجبُ مراعاةُ هذه الفوارقِ؛ وإلا ضيقْنا ما وَسّعَ الله تعالى؛ نسأل الله أن يُمَكِّنَ لدينِهِ وعباده في الأرض.

ومثل هذه الأحوال التي عَمَّتْ فيها الضرورات ينبغي أن يوكلَ تقديرُها إلى من ابْتُلِيَ بها؛ بعد إجرائها وفقَ قواعِد الشرعِ المقررة؛ والله المستعان.

وبعدُ؛ فلستُ أرى مانعا إن شاء الله في خروجكم للقاء بأهلكم بارك الله لكم فيها؛ بل يكاد يكون ذلك واجبًا إن كان مُسْتطاعًا ولا يُكَلِّفُ الله نفسا إلا وُسْعها؛ وليس بخافٍ عليكمْ ما ابتُلِيَ به أهل الأسلامِ من انتِشارِ الفِتَنِ عافانا الله وإياكم منها؛ فخروجُكم إليهم إن أمكن ولو المرة بعد المرة من أسبابِ حفظهم وعِصْمتهم؛ حفظهم الله، والأصلُ هو الإتيانُ بالواجِباتِ كلِّها ما أمكن؛ فإن تعارَضَتْ قُدِّم الأهَمَّ فالأهمّ؛ وليسَ في الجمعِ بين فرضِ الجهادِ والقيامِ بحقِّ الأهلِ تعارضٌ على ما بيّنْتُهُ؛ ومراعاةً للأحوالِ التي ذكرتموها؛ وحَقُّ الوفَاءِ أن يُقَابَلَ بالوفاء؛ والله يهدينا وإياكم سواء السبيل.

لكنْ يَنْبَغِي أن يُعْلَمَ أَنَّ تَرْكَ الثغْرِ لِما ذُكرَ لَهُ شَرْطٌ؛ وهُوَ أنْ لا تَفُوتَ بِذَلكَ مَصْلَحَةٌ عامَّةٌ لأهْلِ الإسلام؛ كأنْ يَكُونَ التارِكُ مِمَّنْ يُحْتاجُ إلَيْهِ في الثَّغْرِ ولَيْسَ هُناكَ مَنْ يَقُومُ مَقامَهُ؛ أو يَكُونَ تَرْكُهُ لَهُ مما يَفُتًُّ في عَضُدِ أهْلِ الإسلامِ ويُوقِعُ الوَهْنَ في القُلُوبِ والنفوس، فِفِي هذا وأمثالِهِ لا يَحِلُّ لهُ الترْكُ؛ وليَسْتَعِنٍ باللهِ؛ وليتَحَيَّنِ الفُرْصَةَ المُناسِبَةَ لذلك؛ ومنْ تَرَكَ شَيْئًا لله أبْدَلَهُ اللهُ خَيْرًا مِنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت