الصفحة 124 من 207

نعم؛ الجهادُ في زماننا من فُروض الأعيان؛ وعلى المسلم أن يعقد النيةَ على القيامِ بهذه الفريضةِ ما دامَ سببُها قائمًا؛ ولو استغرقَ ذلك العمرَ كلَّه، جعلنا الله وإياك من المجاهدين في سبيله؛ وختم لنا بخاتمة الشهادة والخير والسعادة؛ آمين.

وفرقٌ - بارك الله فيك - بينَ ترك فرْض الجهاد بالكلية؛ مع عَقْدِ العزْمِ على عَدَمِ الرجوعِ إليه والقيامِ به!؛ فذلك معصية لله تعالى، وبينَ من انشغل عنه لِعارضٍ ضروري لا بد له منه؛ خاصةً وأن فرض الجهادِ في زماننا من الفروضِ التي تستغرق الطويلَ من الوقتِ؛ وليست من الفروض المؤقَّتةِ التي تنْتَهي بانقضاءِ وقتٍ معين لها؛ ولو اندفع العدو الصائل في بلد مثلا؛ لم يسقط الفرض بالكليَّة؛ بل ينتقل فرض العين على المسلمين إلى بلد آخرَ حلَّه العدو وهكذا؛ ولو مَنَعْنا المُجاهِدَ من التلَبُّس بكل فعلٍ سواهُ مما هو من الضرورات التي يَلْحَقُهُ الضررُ بترْكِها؛ أو الحاجِيّات التي تَلحقه المشقة بفواتِها؛ لكان في ذلك من العسر والحرج ما ينافي قواعدَ الشرعِ المقررَةَ والتي جاءتْ بالتيسير ورفع الحرج عن المكلفين.

ثم قد رأينا في الفرائضِ مما هو أعظم من الجهاد مثل ذلك؛ وأن التلبُّسَ بِشَيءٍ من الأفعال لضَرورَةٍ أو حاجَةٍ لا يقطعها؛ كما في الصلاة التي هي أحد أركان الإسلام؛ ففي الحديث الصحيح أن أصحابَ النبي صلى الله عليه وسلم لما شهدوا قتال الخوارجِ وحضر وقت الصلاة انْفَلَتَتْ دابَّةُ لبعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يتبعها دون أن يقطع صلاته؛ وجعل الخوارجُ يقولون: انظروا إلى هذا الشيخ الضال!!؛ فلما فرغ من صلاته قال لهم: لقد سمعتُ مقالتكم آنفًا؛ وقد صليتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وشهدتُ تيسيرَه؛ وإني أَنْ أفعلَ ذلك أحبُّ إلى من أن تذهب دابتي ... أو كلاما نحوه.

ومثل هذا ما روي من فتح النبي صلى الله عليه وسلم الباب لعائشة رضي الله عنها وهو في صلاته؛ ومثل حمله أمامةَ ابنةَ ابنتِه رضي الله عنهنّ في الصلاة؛ ومثل حمل الحسن والحسين يوم الجمعة؛ ومثل نظره صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة إلى الفارس الذي بعثه طليعةً في بعض مغازيه حتى غاب من الشِّعب؛ وأمثال هذا، والعلماء يُلحقون به من رأى عدوًا صائلا وأمكنه دفعه؛ ومن خشي على صبيِّ من التردِّي في بئر ونحوه؛ ومن رأى سَبُعا أو حية أو عقربًا فيقتلُه ونحو هذا.

والعلماء يُقَرِّرُون لِما ذَكَرْناهُ من الأَدِلَّةِ أنه في كل هذه الأعمال ليس خارجًا من صلاته؛ لما تقضيه الضرورة والحاجةُ من التيسير، والله أعلم.

وهكذا في حج الفريضة؛ لا يمنع التلبَّسُ به؛ أن يتلَبَّس الإنسانُ بغيره من الضرورات والحاجيات؛ بل أباح الشرع الاتجارَ فيه والبيعَ والشراء؛ وقاس العلماء التجارةَ في الجهاد على التجارة في الحج شريطةَ أن لا يُفضيَ ذلك إلى تعطيلِهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت