الصفحة 122 من 207

الغانِمِينَ أو بَعْضِهِمْ بِنَصِيبِهِمْ مِنها لمَنْ حَمَلَها فَهُو له، أما ما تَرَكَهُ عاجزًا عنْ حَمْلِهِ فَفِيهِ القِسْمَةُ كما هِي الروايَةُ الأخْرى عن أحمدَ رَحِمهُ الله، نعَمْ؛ للإميرِ أنْ يُنَفِّلَ مَنْ حَمَلها قَدْرًا زائدًا على سَهْمِهِ لغَنائِهِ في هذا المَوْضِعِ؛ والله أعْلم.

هذا ما كُنْتُ كَتَبْتُهُ أّوَّلا؛ ثُمَّ استَدْرَكْتُ عَلَيهِ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقال: إذا دارَ الأمْرُ بَيْنَ إتلافِهِ أو أَنْ يَجْعَلَهُ الأميرُ لِمَنْ حَمَلَهُ فَما الحُكْمُ؛ لأنَّ الإنسانَ قَدْ لا يَرْغَبُ في حَمْلِ ما لَيْسَ له؛ بِخِلافِ ما لَو قيلَ لهُ: إنْ حَمَلْتَهُ فَهُوَ لكَ؛ وفي هذا مَصْلَحَةٌ معْتَبَرَةٌ أيضًا، لأنَّ ما مَلَكُهُ المُجاهِدُ يَنْتَفِعُ بهِ أهلُ الإسلامِ في الجُمْلَةِ؛ وكِفايَةُ حاجاتِ الجُنْدِ من المَصالِحِ المُعْتَبَرَةِ أيضا؟.

ويُجابُ عَنْهُ بأنَّ ما ذكَرْناهُ هوَ الأصل؛ ثمَّ عَلَى الأمِيرِ أنْ يَتَدَرَّجَ فِي ذلك؛ فَيْجْعَلَ لِمَنْ يَحْمِلُ مِنْهُ نَصيبًا زائدًا على حَقِّهِ في المَغْنَم؛ فإنْ لَمْ يَجِدْ منْ يَحْمِلُهُ إلاَّ بأنْ يَجْعَلَهُ لَهُ فَذلكَ أولَى مِنْ تَرْكِهِ للعَدُوِّ أو إتْلافِهِ؛ واللهُ أعلم سبحانه.

وعلَى هذا فَلَيْسَ للأميرِ ابْتِداءً أنْ يَمْنَعَ القادِرَ علَى الحَمْلِ مِنها؛ لأّنَّ فِيها حَقَّ اللهِ وحقَّ المُسلمين؛ إلا إن كانَ في حَمْلِها مفْسَدَةٌ؛ كأنْ تُعَطِّلَ الإسراعِ في السيرِ؛ أو يَخْشى بِسَبَبِها كَرَّةَ العدُوِّ ونَحْوَ هذا فَلَهُ مَنْعُهُمْ من حَمْلِها؛ لأنهُ تَفْويتُ مَصْلَحَةٍ لتَحْصيلِ أعظَمَ منها، ورُبَّما كانَ حَمْلُ الغَنِيمَةِ سَببًا للهَزِيمَةِ كما وقعَ في مَعْرَكَةِ (بلاطِ الشهداء) في الأنْدَلُسِ والتي قُتِلَ فِيها عَبْدُ الرحمَنِ الغافِقِيُّ الأمِيرُ رَحِمَهُ الله؛ وكانََ ذلكَ سَبَبًا لتوَقُّفِ الزحْفِ الإسلامِيِّ إلى بَقِيَّةِ بلادِ أوروبا؛ وعَلَيْهِ فلا يَحْمِلُونَ مِنها إلا بإذْنِهِ لكَونِهِ أقْومَ بِتَقْديرِ المَصلَحَةِ مِنهم.

وأما ما تُرِكَ فَلَهُ إتلافُهُ لِيُفوِّتَ على العدوِّ الانتفاعَ به؛ كما مَرّ عن مالكٍ رحمه الله.

والله أعلمُ؛ وصلى الله وسلم على محمد وآله وسلم؛ والحمدُ لله رب العالمين.

كتبه:

خويدمُ العلم وأهله:

أبو الوليد الغزي الأنصاري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت