الصفحة 121 من 207

وأما المَتْرُوكُ من الغَنِيمَة؛ فأذكر إن شاء الله أولا ما وردَ في ذلك من الآثارِ وأقوالِ أهلِ العلمِ، ثُمَّ أُعرِّجُ على ذِكر الراجح من ذلك، ليكونَ المؤمنُ على بصيرةٍ من دينه، وبالله التوفيق.

فمن ذلك ما رواه سعيدُ بن منصور في السنن (2752) : عن ليثٍ قال: قُلْتُ لِمُجاهد: نكونُ في أرضِ العدوِّ فَنُصِيبُ الغنائِمَ، فَتَكْثُرُ علينا حتَّى لا يستطيعَ الأميرُ والناسُ ويَعْجزون عن حَمْلِهِ، فيقولُ الأميرُ: من أَخَذَ شيئًا فَهُوَ له، فَقَاَل: ولا مخيطا.

قال ابن قدامة في (الكافي 4/ 288) : و إن ترك صاحبُ المغنمِ شيئًا عَجِز عن حمله فقال: من أخذ منه شيئا فهو له، فهو لمن أخذه، نصَّ عليه، لأنه بِمَنْزِلَةِ ما لا قِيمَةَ له في دارِهِم، و إن لم يَقُلْ ذلك فأكثرُ الرواياتِ عن أحمدَ أنهُ لآخِذِهِ كذلك، وعَنْهُ: يكونُ غَنِيمَةً، لأنه ذو قِيمَةٍ فهو كالصَّيْدِ. انتهى.

ونحوه في الإنصافِ للمِرْدَاوِيِّ الحَنْبَلي.

وعِنْده: وَسُئِلَ (الإمامُ أحَمَدُ) عَنْ قَوْمٍ غَنِمُوا غَنَائِمَ كَثِيرَةً، فَتَبَقَّى جَزْءٌ مِنْ الْمَتَاعِ مِمَّا لَا يُبَاعُ وَلَا يُشْتَرَى، فَيَدَعُهُ الْوَالِي، بِمَنْزِلَةِ الْفُخَّارِ وَمَا أَشْبَهَ، أَيَاخُذُهُ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا تُرَكَ وَلَمْ يُشْتَرَ.

وفي الإقناع: وللأمير إِحْراقُهُ وأخذُهُ لنفسه، كغيرِهِ.

وفي المغني (10/ 478) : فصلٌ: وإن ترك صاحبُ الْمَقْسَمِ شيئًا من الغنيمةِ عَجْزًا عن حَمْلِهِ، فقال: من أخذَ شيئًا فهو له، فَمَنْ حَمَلَ شيئًا فهو له، نصَّ عليه أحمد، وسُئِلَ عن قومٍ غَنِمُوا غنائمَ كثيرةً؛ فيبقى خُرْثِيُّ المتاعِ مما لا يُباعُ ولا يُشْتَرَى، فَيَدَعُهُ الوالي، بِمَنْزِلَةِ العقار والفُخَّارِ وما أشبه ذلك، أَيَاخُذُهُ الإنسانُ لنفسه؟ قال: نعم، إذا تُرِكَ ولم يُشْتَرَ.

ونحو هذا قول مالك، ونقل عنه [1] أبو طالب في المتاعِ لا يقدرون على حَمْلِهِ، إذا حَمَلَهُ رَجُلٌ: يُقْسَمُ، وهذا قولُ إبراهيم.

قال الخلاّل: روى أبو طالب هذه في ثلاثةِ مواضعَ، في موضعٍ منها وافقَ أصحابَهُ، وفي مَوْضِعٍ خالفهم، قال: ولا شك أن أبا عبد الله قال هذا أَوَّلًا؛ ثم تبينَ له بعد ذلك أن للإمام أن يُبيحَه وأن يُحَرِّمَه، وأن لهم أن يأخذوه إذا تركه الإمامُ إذا لم يَجِدْ من يحملُهُ؛ لأنه إذا لم يجدْ من يحملُهُ ولم يَقْدِرْ على حَمْلِهِ بمنزلةِ ما لا قيمةَ له، فصار كالذي ذَكَرْناه في الفصل قبلَ هذا.

قالَ مُقَيِّدُهُ عفا اللهُ عنه: كُلُّ مَنْ شَهِدَ الوقْعَةَ فَلَهُ حَقٌّ ثابِتٌ في الغَنِيمَةِ في الجُمْلَةِ؛ كَما أنَّ فِيها الخُمُسَ لِلأصْنافِ التي ذكَرها اللهُ تعالى في كتابه؛ ولأنَّها إنَّما قُدِرَ عَلَيْها بِقُوَّةِ المَجْمُوع؛ ثمَّ إنَّ عَجْزَ صاحِبِ الحَقِّ عن حَقِّهِ لا يُسْقِطُ حَقَّهُ، فَمَنْ حَمَلَ مِنَ الغَنِيمَةِ شَيئًا فإنما حَمَلَها لِفَضْلِ قُوَّةٍ فيه؛ فَكَيْفَ يَكُونُ ذلكَ مُبِيحًا لمالِ الغَيْرِ الذي عَجِزَ عن تَحْصيلِه؛ وقد قال النبيُّ صلى اللهُ عَليه وسلم: كل المسلمِ على المسلم حرامٌ دَمُهُ ومالُهُ وعِرْضُهُ؛ وقال تعالى: {وَلاَ تَأكُلُوا أَمْوَالَكَمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} ، نَعَمْ إنْ طابَتْ أنْفُسُ

(1) يعني: عن الإمام أحمد رحمه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت