الصفحة 120 من 207

وزاد أبو الفتح بن أبي حنيفة المتوفى سنة (540) : لأن قطعَ قوة المشركين بهذا السلاحِ إنما يكونُ بالدفنِ. (الفتاوى الولوالَجِيَّة: 2/ 292) .

وأما ما فِيهِ روح؛ فإنْ كانَ الأسْرى فأكثرُ العلماء على أن الإمامَ مُخَيّرٌ فِيهمِ بِخِصالٍ؛ ولا خِلافَ في قَتْلِ الذكرانِ البالغِينَ المُقاتِلِينَ في التْحامِ الحرْب، وإنما البحثُ في القتلِ بعْدَ الأسْر؛ وَيأتي الحديثُ عَنْهُ في مَوضِعٍ آخر؛ إن شاء الله.

وأما الدواب: فالخيْلُ تَحْتَ المُقاتِل يَجُوزُ قَتْلُها اتفاقا، وحكَى ابنُ رشْدٍ عن مالكٍ أنه لم يُجِزْ قَتْلَ الماشِيَةِ؛ وهُو الصوابُ إن شاءَ الله، فلا يُقْتَلُ مِنْها شَيْءٌ سواءٌ قدِروا عَلَيْها أم لا؛ ولَوْ كانَتْ في أيديهِمْ وأدرَكها أهْلُ الحرْب ولم يقدِرُوا علَى مَنْعِها فإنهم يُخَلُّونَها ولا يَقْتُلُونَها أَيْضًا، ولوْ بَقِيَتْ دابَّتُهُ في دارِ الحَرْبِ فَكذلك؛ لا يَقْتُلُها بلْ يُخَلِّيها، ولا يَقْتُلُ النحْلَ ولا يُغَرِّقُهُ ولا يَحْرِقُ خَلاياه؛ لأّنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ قَتْلِ الحَيَوان إلا للأكْل؛ ولأنَّ قَتْلَهُ مُثْلَةٌ وقَدْ نُهِيَ عَنْها؛ ولأنَّ النبِيَّ صلى الله عليه وسلم لمْ يَفْعَلْ ذلك في مَغازيه، وإنَّما يَحِلُّ ذلكَ لحاجَةِ الأكلِ فقط، وُيْستَثْنَى من ذلكَ الخنزِيرُ فإنه يُقْتل. وبِهذا قال ابنُ حَزْمٍ رحمهُ الله.

والاحتِجاجُ للجَوازِ بِعُمُومِ قَولِهِ تعالى: {ولا يطئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفَّارَ} ؛ يُجابُ عَنْهُ بأنَّ ذلكَ فيما لا نَهْيَ فيه؛ وإلا لجازَ قَتلُ نِسائهم ووصِبْيانِهمِ بهذا.

واعْلَمْ أن التَّقَيُّدَ بآدابِ الشرْعِ فِي القِتال - عَلاوَةً عَلَى كَونِهِ اتِّباعًا لِهَدْيِ النبي صلى الله علَيهِ وسلّم - فإنَّهُ أداءٌ لِرسالَةِ الأخْلاقِ فِي الإسْلام وتَبْلِيغٌ لِدَعْوَتِهِ وإبْرازٌ لِمَحاسِنَهِ؛ وذلكَ مَقْصَدٌ عظيمٌ مِنْ مَقاصِدِ الشرْعِ لا بُدَّ مِن العِنايَةِ به، ولَيْسُ القَتْلُ وإراقَةُ الدماءِ مِنْ مَقاصِدِ الشرْعِ بلْ هِيَ مِنْ وسائِلِهِ لِتَحْقِيقِ الغايَةِ العُظْمَى بإقامَةِ التوحيدِ ونَشرِ أعْلامِهِ؛ ولِذا فَحَيْثُ تَحَقَّقَتِ الغايَةُ بإقامَةِ التوْحِيدِ والخُضُوعِ لِسُلْطانِ الإسلامِ نُهِيَ عَنِ القَتْل، وفي مُغْنِي المُحْتاجِ إلَى مَعْرِفَةِ أَلْفاظِ المِنْهاجِ في كتابِ السير: وَأَمَّا قَتْلُ الْكُفَّارِ فَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ؛ حَتَّى لَوْ أَمْكَنَ الْهِدَايَةُ بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ بِغَيْرِ جِهَادٍ كَانَ أَوْلَى مِنْ الْجِهَادِ. انتَهى.

والنبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ قَدْ أمَرَ بالإحْسانِ في كُلِّ شَيءٍ حتى في القَتْل؛ والأدِلَّةُ على ذلكَ كثيرَةٌ لا تَخْفَى، فَما يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِن الاجْتِماعِ عَلى الأسيرِ والهِياجِ والصِّياحِ عِنْدَ قَتْلِهِ لَيْسَ مِنْ هَدْيِ النبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ ولا هَدْيِ أصحابِه، وكذلكَ التمثيلُ بالأسيرِ قَبلَ قَتْلِهِ؛ أوْ بِعْدَ قَتْلِهِ؛ وحَرْقُهُ بالنارِ حَيًّا؛ أو بَعْدَ مَوْتِهِ؛ كُلُّ ذلكَ خارِجٌ عَنْ سُنَّةِ إمامِ المُجاهدِينَ صلَواتُ اللهُ وسلامُهُ علَيه، بلْ قَدْ نَهَى الشرْعُ عَنْهُ أشدَّ النهْيَ؛ والأدلَّةُ مَعْلُومَةٌ مشْهُورة.

ولَيْسَ قولُهُ تعالَى: {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} ؛ دَليلًا عَلَى جَوازِ ما نَهَى عَنْهُ الشرْعُ والنبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلم مِنْ ذلك، بلْ ما فَعَلَهُ فَهُو الذي يَدْخُلُ في حُكْمِ الآيَةِ؛ وما نَهَى عَنْهُ فلا يَدخُلُ في حُكْمِها؛ فافْهم.

ومَنْ طالَعَ سِيرَةَ النبي صلى اللهُ عَليهِ وسلم في مَغازِيهِ؛ وأخبارَ أصحابِهِ من بَعدِهِ في الفُتُوحِ رأى كِيفَ كانَتْ أخلاقُهُمْ مَفاتِيحَ القُلُوبِ كما كانَتْ أسْيافُهُمْ مَفاتِيحَ البلادِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت