الصفحة 12 من 207

ونَقَلَ عَنْ أَبِي العَباسِ القُرْطِبِيِّ قَوْلَه: وَقَدْ يَرَى (يَعْنِي الكافِر) الْمَنَامَ الْحَقَّ؛ وَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَنَامُ سَبَبًا فِي شَرٍّ يَلْحَقُهُ أَوْ أَمْرٍ يَنَالُهُ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ الْمُعْتَبَرَةِ الْمَقْصُودَةِ بِهِ، وَقَدْ وَقَعَتْ لِبَعْضِ الْكُفَّارِ مَنَامَاتٌ صَحِيحَةٌ صَادِقَةٌ، كَمَنَامِ الْمَلِكِ الَّذِي رَأَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ، وَمَنَامِ الْفَتَيَيْنِ فِي السِّجْنِ، وَمَنَامِ عَاتِكَةَ عَمَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ كَافِرَةٌ، وَنَحْوُهُ كَثِيرٌ، لَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنَامَاتِهِمْ الْمُخَلَّطَةِ وَالْفَاسِدَةِ. انْتَهَى.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِيما حَكاهُ عَنْهُ الحافِظُ: الْمُسْلِم الصَّادِق الصَّالِح هُوَ الَّذِي يُنَاسِب حَالُهُ حَالَ الأنْبِيَاء فَأُكْرِمَ بِنَوْعٍ مِمَّا أُكْرِمَ بِهِ الأنْبِيَاء وَهُوَ الاطِّلاع عَلَى الْغَيْب، وَأَمَّا الْكَافِر وَالْفَاسِق وَالْمُخَلِّط فَلا، وَلَوْ صَدَقَتْ رُؤْيَاهُمْ أَحْيَانًا فَذَاكَ كَمَا قَدْ يَصْدُق الْكَذُوب؛ وَلَيْسَ كُلّ مَنْ حَدَّثَ عَنْ غَيْب يَكُون خَبَرُه مِنْ أَجْزَاء النُّبُوَّة؛ كَالْكَاهِنِ وَالْمُنَجِّم.

قُلْتُ: ما قَالَهُ القُرْطِبِيُّ لا يُسَلَّم، لأَنَّ المُرادَ بالرؤْيا الصادِقَةِ ما تَكُونُ مِن اللهِ تعالَى، وأما خَبَرُ الكاهِنِ والمُنَجِّمِ فَطَرِيقُهُ اسْتِراقُ الشياطِينِ للسَّمْعِ والتَّخْمِينُ والظُّنُونُ الكذِب، وبَيْنَهُما فَرْقٌ ظاهِر.

وللقُرْطِبِيِّ كَلامٌ آَخَرُ سِوى هذا؛ ذَكَرَهُ عِنْدِ قَوْلِهِ تَعالَى: {ثُمَّ يَاتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ} ؛ فقال:

الثَانِيَةُ: هَذِه الآيةُ أَصْلٌ فِي صِحَّةِ رُؤْيا الكَافِرِ، وَأنَّهَا تُخَرَّجُ عَلَى حَسْبِ مَا رَأَى، لاسِيَّمَا إِذَا تَعَلَّقَتْ بِمُؤْمِنٍ، فَكَيْفَ إذَا كَانَتْ آيةً لِنَبِيٍّ؛ وَمُعْجِزَةً لِرَسُولٍ؛ وَتَصْدِيقًا لمُصْطَفَىً للتَّبْلِيغِ؛ وُحُجَّةً للوَاسِطَةِ بَيْنَ اللهِ - جَلَّ جَلالَُهُ وَبَيْنَ عِبَادِهِ.

والصوابُ الوُقُوعُ كما أَشَرْتُ إلَيهِ فِي صدْرِ الجَواب، وقَدْ تَرْجَمَ البخارِيُّ رَحِمَهُ الله فِي كِتابِ التعْبير: بابُ رُؤْيَا أَهْلِ السُّجُونِ والفَسَادِ والشَّرْكِ، وَحَكَى القَارِي فِي العُمْدَةِ أَنَّهُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنَّ الرُّؤْيا الصَّالِحَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي حَقِّ هَؤُلاءِ بِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ بُشْرَى لأَهْلِ السجْنِ بالخَلاَصِ؛ وَإِنْ كَانَ المسْجُونُ كَافِرًا تَكُونُ بُشْرَى لَهُ بِهِدَايَتِهِ إِلَى الإِسْلامِ؛ كَمَا كَانَتْ رُؤْيا الفَتَيَيْنِ اللذَيْنِ حُبِسَا مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السلامُ صَادِقَةً، وقَالَ أَبُو الحَسَنِ بنُ أَبِي طَالِبٍ: وَفِي صِدْقِ رُؤْيا الفَتَيَيْنِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الكَافِرَ لا يَرَى رُؤْيا صَادِقَةً، وأَمَّا رُؤْيا أَهْلِ الفَسَادِ فَتَكُونُ بُشْرَى لَهُمْ بالتوْبَةِ والرُّجُوعِ عَمَّا هُمْ فِيهِ، وَأَمّا رُؤْيا الكافِرِ فَتَكُونُ بُشْرَى لَهُ بِهِدَايَتِهِ إِلَى الإيمَانِ. انْتَهى.

واخْتارَ العِراقِيُّ فِي طَرْحِ التثْرِيبِ أنَّ صِدْقَ الرؤْيا عامُّ فِي هذهِ الأُمَّةِ لا يَخْتَصُّ بِصالِحٍ مِن طالِح، قَال: وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: وَأَنَا أَقُولُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يُشِيرُ إلَى عُمُومِ صِدْقِ الرُّؤْيَا فِي هَذِهِ الأُمَّةِ؛ وَأَنَّ صِدْقَهَا لا يَخْتَصُّ بِصَالِحٍ مِنْ طَالِحٍ، وَهُوَ بَيِّنٌ.

وقَدْ ذكَرَ الأَئِمّةُ رَحِمَهُمُ اللهُ تعالَى كَثيرًا مِن الرُّؤى التِي رآها الكُفارُ قُبَيْلَ بِعْثَةِ رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلم كَرُؤْيا رَبِيعَةَ بِنِ نَصْرٍ مَلِكِ اليَمَنِ وأَوَّلَها لَهُ الكاهِنانِ شِقُّ وسَطيح، وكَرُؤيا كِسْرَى فِي سُقُوطِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ شَرافَةً مِنْ إِيوَانِهِ وخُمودِ نارِ المَجُوس!، وَكَرُؤْيا المُوبِذَانِ وَزِيرِ كِسْرَى إِبِلًا صِعَابًا تَقُودُ خَيْلًا عِرَابًا؛ قَدْ قَطَعَتْ دِجْلَةَ وَانْتَشَرَتْ فِي بِلادِهِمْ، فَوَجَّهَ كِسْرَى إلَى النُّعْمانِ بنِ المُنْذرِ أنْ يَبْعَثَ إلَيهِ مَن يَسْألُهُ؛ فَبعثَ إلَيهِ عَبدَ المَسيحِ بنَ عَمرو الغسانِيَّ، وكَرُؤْيا حَكَوها عَن (بُخْتَنَصَّر) وأنَّ (دانيالَ) فَسَّرها لهُ بِبِعْثَةِ النبِيِّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ وظُهُورِ دينِهِ علَى الأديانِ كُلِّها، ورُؤيا عاتِكَةَ عَمَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ علَيهِ وسلمَ قَبلَ إسلامِها التي قصَّتْها علَى العباسِ أخِيها وكانَتْ قَبْلَ مَجِيءِ ضَمْضَمِ بنِ عَمْروٍ الغفارِيِّ صارِخًا بِقُرَيشٍ علَى عِيرِ أبِي سُفيانَ بِثَلاثِ لَيال، ورُؤْيا جُهَيمِ بنِ الصَّلْتِ قُبَيْلَ بَدْرٍ رَجُلًا قَدْ أَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ حَتَّى وَقفَ؛ وَمَعَهُ بَعِيرٌ لَهُ فَنادَى بِأسماءِ مَنْ قُتِلَ في بَدْرٍ من المُشرِكين!؛ ثُمَّ ضَرَبَ البَعِيرَ فِي لُبَّتِهِ وأَرْسَلَهُ فِي المُعَسْكَرِ فما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت