بَقِيَ خِباءٌ إلا أَصابَهُ من نَضْحِ دَمِه، ورُؤْيا عُيَيْنَةَ بنِ حِصْنٍ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ؛ رَأَى فِي مَنَامِهِ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَاصِرَ خَيْبَرَ؛ فَطَمِعَ مِنْ رُؤْيَاهُ أَنْ يُقَاتِلَ رَسُولَ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ فَيَظْفَرَ بِهِ؛ فَلما قَدِمَ خَيبرَ وجدَهُ قد افتَتَحَها، ورُؤْيا سَعِيدِ بن العاصِ التِي كانَتْ سَبَبَ إسْلامِهِ وهِي مَشْهُورَة، ومِن ذلكَ ما حَكاهُ المُؤَرِّخُونَ عَنْ رُؤْيا رَآهَا مَلِكُ النصارَى الذي حَضرَ لِقِتالِ يوسُفَ بن تاشْفِينَ رَحِمَهُ الله، رَآى فِيها رَجُلًا يَرْكَبُ فِيلًا وفِي يَدِهِ بوقٌ يَنْفَخُ فِيه!، فَأَمَرَ مِنْ جُنْدِهِ رَجُلًا أنْ يَاتِي مُتَنَكِّرًا عالِمًا مِن علَماءِ المُسْلِمينَ ويَسْألَهُ عَنها، فقالَ لَه: هذه يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ لِمَلِكٍ من المُلُوكِ ولَيْسَتْ لك، ثُمَّ أولَها بِهَزِيمَةِ جَيشٍ كافِرٍ، أَخْذًا مِن سُورَةِ الفيلِ؛ ومِن قَولِهِ تَعالَى: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ؛ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ؛ عَلَى الكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} !، ثُمَّ شاعَ خَبَرُ الرُّؤْيا فكانَتْ بُشْرَى لأهْلِ الإسلامِ؛ وغَيظًا لأهْلِ الكُفْرِ والطغيان.
قَالَ أبُو الولِيد: هَذهِ الرؤَى كُلُّها بِشارَاتٌ لأَهْلِ الإسلامِ؛ ونَذارَةٌ لأَهْلِ الكُفْرِ والعِصْيانِ، حَتَّى وإنْ رَآها الكافِرُ، بْلْ رُبُّما كانَ ذلكَ أوْقَعَ هَيْبَةً فِي نَفْسِ رائِيها؛ وأعْظَمَ بِشارَةً لأَهْلِ الإسْلامِ؛ وهُوَ يُبَيِّنُ مَعْنَى كَونِها مِن اللهِ ولَو كانَ رائِيها مِن الكُفار، وفِي الحَديثِ: وإنَّ اللهَ لَيَنْصُرُ الدينَ بالرجُلِ الفاجِرِ!؛ وبِأَقْوامٍ لا خلاقَ لَهُم!، وهذا مِن ذلكَ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى.
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللهُ فِي الفِصَل: وَقَدْ تَصْدُقُ رُؤْيَا الكَافِرِ؛ وَلاَ تَكُونُ حِينَئِذٍ جُزْأً مِنَ النُّبُوَّةِ ولا مُبَشِّرَاتٍ؛ وَلكنْ إِنْذَارًا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ وَوَعْظًا. انْتَهى.
فَائدَةٌ: ذكَرَ ابنُ حَجَرٍ الهَيتَمِيُّ فِي فَتاويهِ أَنَّ مَا أَخْبَرَ بِهِ شِقٌّ وَسَطِيحٌ مِنْ أَخْبَارِ الزّمَنِ الذِي وَقَعَ بَعدَهَمُا مَحْمُولٌ علَى أَنَّهُ وَصَلَ إَلَيْهِمْ مِنْ عِلْمِ الأَنْبِياءِ السابِقِينَ علَيْهِمُ السلام.
والحَمْد للهِ أولا وآخرًا
وصلَّى اللهُ علَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ وسلم.
كان الله له
أَبُو الولِيدِ الغَزِّيُّ الأَنْصارِي