بِسْمِ اللهِ الرحْمَن الرحيم
رُؤيا الكافِرِ هَلْ تَكُونُ حَقّا
رقم الفتوى: 91/ 3/7306
وسُئلَ عَنْ رُؤْيا الكافِرِ هَلْ تَكُونُ حَقّا؛ وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ: الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْأً مِنَ النُّبُوَّةِ؟!.
فَأجابَ:
الحَمْدُ للهِ؛ وأسْتَغْفِرُ اللهَ؛ أما بَعْد:
فََقَدْ وَقَعَتْ الرُّؤْيَا الصَّادِقَة مِنْ بَعْض الْكُفَّار كَمَا فِي رُؤْيَا صَاحِبَيْ السِّجْن مَعَ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلام وَرُؤْيَا مَلِكهمَا وَغَيْر ذَلِكَ، قَالهُ الحافِظُ فِي الفَتْح.
قَالَ الأَلُوسِيُّ فِي التَّفْسِيرِ: وَاسْتَدَلُّوا بِذَلكَ أَيْضًا عَلَى صِحَّةِ رُؤْيَا الكَافِرِ؛ وَهُو ظَاهِرُ. انْتَهى.
وحَكَى الحافِظُ عَن المُهَلَّبِ أنَّ الناسَ فِي هذا عَلى ثلاثِ دَرَجات: الأَنْبِياء، والصالحُون، ومَن عَداهم، وَهِيَ ثَلَاثَة أَقْسَام: مَسْتُورُونَ فَالْغَالِب اِسْتِوَاء الْحَال فِي حَقّهمْ، وَفَسَقَةٌ وَالْغَالِب عَلَى رُؤْيَاهُمْ الأَضْغَاث وَيَقِلُّ فِيهَا الصِّدْق، وَكُفَّار وَيَنْدُر فِي رُؤْيَاهُمْ الصِّدْق جِدًّا.
وِمِمَّنْ جَوَّزَ الرُّؤْيا مِنَ الكَافِرِ المَناوِيُّ فِي التَّيْسِيرِ بِشَرْحِ الجَامِعِ الصَّغِيرِ؛ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَتْ جُزْأً مِنْهَا؛ فَكَيْفَ كَانَ للكَافِرِ مِنْهَا نَصِيبٌ؟.
قُلْنَا: هِيَ وَإِنْ كانَتْ جُزْأً مِنَ النُّبُوَّةِ فَلَيْسَتْ بِانْفِرَادِهَا نُبُوَّةً؛ فَلاَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَرَاهَا الكَافِرُ، كَالمُؤْمِنِ الفَاسِقِ.
وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ كَوْن الرُّؤْيَا جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ؛ مَعَ أَنَّ النُّبُوَّة اِنْقَطَعَتْ بِمَوْتِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقَدِ استَقْصَى الحافِظُ فِي الفَتْحِ أَجْوِبَةَ العُلَماءِ فِي ذلكَ، وكَثيرٌ مِنْها يَصْلُحُ للجَوابِ عنْ هذا المَوْضع.
ومِن العُلَماء مَنْ ذَهَبَ إلَى أنَّ رُؤْيا الكافِرِ لا تُعَدُّ أَصْلًا؛ مِنْهُم القاضي أَبو بكِرٍ بن العرَبِي والقرْطِبِيُّ، َقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ: رُؤْيَا الْمُؤْمِن الصَّالِح هِيَ الَّتِي تُنْسَب إِلَى أَجْزَاء النُّبُوَّة، وَمَعْنَى صَلاحِهَا اِسْتِقَامَتُهَا وَانْتِظَامهَا، قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّ رُؤْيَا الْفَاسِق لاَ تُعَدّ فِي أَجْزَاء النُّبُوَّة، وَقِيلَ تُعَدّ مِنْ أَقْصَى الأَجْزَاء، وَأَمَّا رُؤْيَا الْكَافِر فَلاَ تُعَدّ أَصْلاَ.
لكِنَّهُ قالَ فِي أَحْكامِ القُرْآنِ فِي رُؤْيا مَلِكِ مِصْر: فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: فِيهَا صِحَّةُ رُؤْيَا الْكَافِرِ، وَلا سِيَّمَا إذَا تَعَلَّقَتْ بِمُؤْمِنٍ، فَكَيْفَ إذَا كَانَتْ آيَةً لِنَبِيٍّ، وَمُعْجِزَةً لِرَسُولٍ، وَتَصْدِيقًا لِمُصْطَفًى لِلتَّبْلِيغِ، وَحُجَّةً لِلْوَاسِطَةِ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ الْعِبَادِ. وسَيَاتِي هَذا عَن القرْطِبِيِّ أيضا.
ورَأَيْتُ فِي طَرْحَ التَّثْرِيبِ فِي شَرْحِ التَّقْرِيبِ وكِلاهُما للحافِظِ العِراقِيِّ رَحِمَهُ الله؛ قَالَ: قُلْت: وَتَقْسِيمُ الرُّؤْيَا إلَى ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ لاَ يُنَافِي تَقْيِيدَ الصَّادِقَةِ بِاَلَّتِي هِيَ صَادِرَةٌ عَنْ مُسْلِمٍ؛ وَلا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِأَنَّ رُؤْيَا الْكَافِرِ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ.
ثُمَّ نَقَلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَوْلَه: وَأَمَّا الرُّؤْيَا مِنْ الْكَافِرِ فَقَدْ وَرَدَتْ فِي الْقُرْآنِ، وَقَدْ كَانَ كُفَّارُ الْعَرَبِ وَالأُمَمِ تَرَى الرُّؤْيَا الصَّحِيحَةَ؛ وَلا تُعَدُّ أَيْضًا فِي النُّبُوَّةِ وَلَكِنَّهَا تَدْخُلُ فِي بَابِ النَّدَارَةِ. انتَهى.