بِسمِ اللهِ الرحْمن الرحِيم
عَمِلِياتُ التجْمِيلِ لغَرِضِ الجِهادِ؟.
رقم الفتوى:100/ 46/1296
وَسئلَ عنِ حُكْمِ إجْراءِ ما يُعْرَفُ فِي الطبِّ بِجِراحَةِ التجْمِيلِ لتَغْيِيرِ ملامِحِ الوجْهِ إن احْتِيجَ إلَيهِ لغَرَضٍ من أغْراضِ الجِهادِ فِي سَبيلِ اللهِ؛ كَدُخُولِ دارِ الحَرْبِ أو الانْغماسِ فِي صفوفِ العَدوّ مَتَخَفّيًا؛ ونَحْوِهِ؛ هلْ يجوزُ ذلكَ أم لا؟.
فأجاب:
الحمدُ للهِ؛ وبعد:
فَجِراحَةُ التجْمِيلِ فِي الأَصْلِ مِنها ما هُو جائزٌ ومِنها ما هُو مَمْنوعٌ، فَما كانَ الغَرَضُ مِنهُ إزالَةَ عَيبٍ فِي الجَسَدِ مِن نَقْصٍ أو زيادَةٍ؛ كإصْبعٍ زائدَةٍ ونَحوها، أوْ المُداواةَ مِنْ مَرَضٍ أو عاهَةٍ كَمَنْ أَصِيبُ فِي الحَرْبِ فَذهَبَ بْعْضُ أنْفِهِ؛ أو تَلِفَ مَوْضِعٌ من جَسَدِهِ أو تَشَوّهَ وجْهُهُ، وغَيرُ ذلكَ مِما يَدْخُلُ فِي مَعْنَى المُعالَجَةِ الطبِيةِ الضرورَيّةِ أو ما فِي حُكْمِها فَجَائزٌ إن شاء اللهُ تعالَى، وأما الجراحاتُ التجْمِيلِيّةُ التحْسِينِيّةُ التِي يُقْصَدُ مِنها تَغْييرُ الخِلْقَةِ اتّباعًا للهَوى وتَقْلِيدًا للآخَرِينَ كَتَغْييرِ العَينَينِ وتَصْغِيرِ أو تَكْبِيرِ الشفَتَينِ ونَحْوِها فَحَرامٌ لا يَجُوزُ؛ لأنّهُ مِن تَغْييرِ خَلْقِ اللهِ تعالَى الذي يَحْرِصُ إبْلِيسُ علَى إيقاعِ الناسِ فِيهِ؛ وهُو من الكبائرِ التِي لَعَنَ النّبِيُّ صلى اللهُ علَيهِ وسلم فاعِلَها؛ كما فِي الصحِيحَينِ من حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بن مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنه.
وهذا الذي ذكَرْناهُ هُوَ ما انْتَهى إلَيهِ قَرارُ المَجْمَعِ الفِقْهِيّ فِي دَورَتِهِ الثامِنَةِ عَشرَةَ فِي (ماليزيا) مِن الرابعِ والعشرينِ إلى التاسعِ والعِشرينَ من شهرِ جمادَى الآخِرَةِ؛ من شهورِ عامِ (1428) .
ثمّ إذا جازَتِ الجِراحَةُ لإزالَةِ العَيبِ سَواءٌ كانَ خَلْقِيًّا أو ناشئًا لإزالَةِ الضرَرِ عن المُصابِ حِسًّا أو مَعْنَىً؛ ورُخّصَ فِي إزالَتِها أو تَخْفِيفِها لشِدّةِ الحاجَةِ؛ والحاجّةُ تُنَزّلُ مَنزِلَةَ الضرُورَةِ عامّةً كانَتِ الحاجَةُ أو خاصّةً فَيُباحُ لأجْلِها ما كانَ مَحْظُورًا؛ فَجَوازُ ذلكَ لِمَصْلَحَةِ الجِهادِ أوْلَى؛ بلْ ما مُنِعَ هُنا مِن الجراحاتِ التجْمِيلِيةِ التحْسِينِيّةِ جائزٌ فِي الجِهادِ أيْضًا؛ لأنّ المَقْصُودَ مِنهُ فِي الجِهادِ خارِجٌ عن كَونِهِ تَحْسِينِيًا؛ بَلْ هُوَ إما ضَرُورِيٌّ أو حاجِيُّ مَتّى تَطَلّبَتْ مَصْلَحَةُ الجِهادِ ذلكَ، إذِ المَرادُ مِنْهُ التوصلُ إلَى الغَلَبَةِ علَى العَدُوِّ وكَسْرِ شَوكَتِهِ وظُهُورِ الإسلامِ علَى الدِينِ كُلِّهِ، ولذا رَخّصَ الشارِعُ لمَصْلِحَةِ الجِهادِ فِي كَثِيرٍ مِن المسائلِ التِي مَنعَ مِنْها فِي غَيرِهِ، وطَرَدَ العُلَماءُ ذلكَ فِي مواضعَ أخرَى عَلّلُوا فِيها الجَوازَ بِمَصْلَحَةِ الجهادِ، كَالمُخادَعَةِ وجَوازِ الكذبِ فِي الحَرْبِ؛ وَلِبْسِ الحَرِيرِ؛ والخِضابِ بالسوادِ؛ وتَحْلِيَةِ السيفِ والسلاحِ بالذهَبِ؛ وسفَرِ الرجُلِ وحَدْهُ؛ ودُخولِ دارِ الحَرْبِ للتجسّسِ ومَعْرِفَةِ أحوالِ العَدُو؛ وتَرْكِ الهَدْيِ الظاهِرِ في دارِ الحَرْبِ، وجَوازِ التّزِيي بِزِيّهِمْ إنِ دعَتْ إلَيهِ مصلحةُ الجهادِ، ونَحْوِ ذلكَ، وأمّا ما عُلّلَ بِمَصْلَحَةِ الجِهادِ فكَثِيرٌ؛ كَجَوازِ السبْقِ بالعِوَضِ فِي النصلِ والخُفّ والحافِرِ لأنّ ذلكَ كُلّهُ مِما يُحتاجُ إلَيهِ فِي الجِهادِ؛ ومصلَحَةُ ذلكَ مُقَدّمَةٌ علَى ما فِي العِوَضِ من المَفاسِدِ التِي هِي إيغارُ الصدُورِ ووُقوعُ الشحْناءِ، وذكَرَ القرافِيُّ فِي الذخِيرَةِ أنّ المسابَقَةَ مُستَثْناةٌ من ثلاثِ قواعِدَ: القِمارِ؛ وتعْذِيبِ الحيوانِ لغَيرِ مأكَلَةٍ؛ وحُصولِ العِوَضِ والمُعَوّضِ لشَخْصٍ واحِدٍ؛ قالَ الخَرشي في شرح خليل: وإنما استُثْنِيَتْ من هذهِ القواعِدِ الممنوعَةِ لمصلَحَةِ الجهاد. انتهى، وكإعْطاءِ عَبِيدِ الخِدْمَةِ وإن كَثُرُوا مِن بَيتِ المالِ إنْ تَعَلّقَتْ مَصلَحَةُ الجِهادِ