وكَونُ المالِ يُدْفَعُ علَى سَبيلِ الرِّشْوَةِ (وتُسَمّى: البِرْطِيلَ) ؛ فإنما هُوَ مِن بابِ الضّروراتِ؛ والمَمْنُوعُ من الرِّشْوَةِ ما كانَ لإبطالِ حَقِّ من الحُقوقِ؛ أو للتوصُّلِ بِهِ إلى باطِلٍ، وإنْ كانَ الإثْمُ علَى المُرْتَشِي الآخَذِ فَذلكَ مِن بابِ دَفْعِ أعظَمِ الضرَرينِ بارْتكابِ أدناهُما؛ فإنّ إبقاءَ المسْلِمِ أسِيرًا فِي يَدِ الكُفارِ معَ القُدْرَةِ علَى إخراجِهِ مُنكَرٌ عظِيمٌ، لأنهُ تَعْرِيضٌ لهُ للافْتِتانِ عن دِينِهِ، وقطعٌ لأواصِرِ الأُخُوّةِ الإيمانِيةِ بِينَ المسلمين، معَ ما يتَرَتَّبُ علَيهِ من الفَتِّ فِي عَضُدِ المجاهِدِينَ من المُسلمينَ، فإنهم مَتى فشا بَينَهُم أنهُمْ إن وقعَ لهم نَحوُ هذا لمْ يَسْعَ أحدٌ لفكاكِهِم أوهَنَ ذلكَ من عزائمِهِم وأقعدهم عن القتالِ، وهذا الوجْهُ من حِكَمِ الشرعِ فِي إيجابِ فِكاكِ الأسير، ثمّ إذا وجَبَ فِكاكُهُ بالقِتالِ مع ما فِيه منْ تعَرْيضِ النفوسِ للخطَرِ فَفِكاكُهُ بِما هُو أقَلُّ خَطَرًا أولَى.
وفي البَحْرِ الرّائِقِ مِنْ كُتُبِ الحنفِية: إذَا دَفَعَ الرِّشْوَةَ خَوْفًا على نَفْسِهِ أو مَالِهِ فَهُوَ حَرَامٌ على الآخِذِ غَيْرُ حَرَامٍ على الدَّافِعِ. انتهى.
وفي مُخْتَصَرِ الفَتاوِي المِصْرِيّةِ لابنِ تَيمِية: فأمّا إذَا أَهْدَى لَهُ هَدِيّةً لِيًكُفّ ظُلْمَهُ عَنْهُ أَوْ لِيُعْطِيَهُ حقّه الواجبَ, فَهذِهِ الهديةُ تكونُ حرامًا علَى الآخِذِ, وَجازَ للدّافِعِ, كمَا قالَ النبِيُّ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وسلّم: إِنّي لأُعْطِي أَحَدَهُمُ العَطِيّةَ فَيَخْرُجُ بِهَا يَتَأَبّطُهَا نارًا, قيلَ: يا رَسُولَ اللهِ: فَلِمَ تُعْطيهِمْ قالَ: يَابَوْنَ إلاّ أنْ يَسْأَلُونِي, وَيَابَى اللهُ ليَ البُخْلَ.
قال: ومِثْلُ ذلكَ إعْطاءُ منْ أَعْتَقَ عَبدًا وَكَتَمَ عِتْقَهُ, أوْ أسَرَ حُرًّا، أَوْ كانَ ظَالِمًا للناسِ، فإعْطاءُ هؤلاءِ جائزٌ للمُعْطِي حرامٌ علَى الآخِذِ، انتهى.
والحديثُ الذي ذكرهُ رواهُ أحمدُ وأبو يعلَى من حديثِ أبي سعيد الخدريّ، وهو حديثٌ صحيح.
وأيْضًا فَمالُ الفِداءِ الذي يُدْفَعُ لِحُكُومَةِ الكُفارِ وقِيادَتِهِمْ لَيسَ حَلالًا لَهُمْ؛ بلْ هُو حرامٌ عَلَيهِم؛ ويزدادونَ بذلكَ إثما إلى إثْمِهِم؛ وإن كانَ الشارِعُ قدْ أباحَ لَنا ذلكَ تحصِيلًا للمَصْلَحَةِ المذكورَةِ, وهكذا هنا في دفعِ الرِّشوةِ لفكاكه.
والحاصِلُ أنّ دَفْعَ المالِ بِهَذا الطريقِ لفكاكِ الأسيرِ المذكورِ جائزٌ لا شَيءَ فيهِ، بلْ هُو مِن الواجِباتِ التِي يَجِبُ التعجيلُ بِها والمُبادَرَةُ إلَيها؛ إنْ لَم يُوجدْ طريقٌ سواهُ، لَكِنْ علَى شَرْطِ أن لا يَتَضَمَّنَ ذلكَ غدْرًا أو نَقْضًا لعَهْدٍ، والله أعلمُ وصلى الله على محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.
كانَ اللهُ له
خادمُ العلم وأهله
أبو الوليدِ الغَزّيُّ الأنصاريُّ