بسمِ الله الرحْمَنِ الرحيم
دفعُ الرشوةِ لإخراجِ أسيرٍ من السجنِ
رقم الفتوى: 59/ 286/626
وسُئِلَ عَنْ أَسِيرٍ مُسْلِمٍ فِي بلادِ الكُفارِ مِن النّصارَى، هلْ يَجُوزُ فِكاكُهُ مِن أموالِ الفِداءِ المَوقوفَةِ لِفِداءِ الأسْرَى إذا كانَ المالُ إنّما يُدْفَعُ علَى سَبيلِ الرشوَةِ لأحَدِ كِبارِ مُوظّفي السجْنِ، حَيثُ وافَقَ المذكُورُ علَى مُساعَدَةِ الأسيرِ علَى الهُروبِ من السجْنِ مُقابِلَ مَبْلَغٍ كَبيرٍ مِن المالِ، فَهْلَ يُعْتَبَرُ هذا فِي حُكْمِ الفِداءِ؛ أم هُو مِن الرِّشوَةِ التِي نَهَى عنها الشرع، خاصّةً وأنّ الأسيرَ المذكُورَ مَحْكُومٌ لِمُدَّةٍ طَويلَةٍ جدًا فِي تلكَ البلادِ، وجزاكمُ اللهُ خيرًا.
فأجاب:
الحمدُ لله, وبعد:
نَعَمْ؛ يجوزُ فكاكُ الأسيرِ المذكورِ بالطريقِ الذي ذكِرَ فِي السؤالِ مِن أموالِ الفِداءِ الموقوفَةِ لفكاكِ الأسارَى أو غَيرِها من الأموالِ، لعمومِ قولِهِ صلّى اللهُ علَيهِ وسلَم فيما رَواهُ البخارِيُّ وغَيرُهُ من حديثِ أبي موسَى الأشعرِيّ رضي الله عنه: فُكّوا العانِيَ، وهو الأسير، وفِي حديثِ أبِي جُحَيفَةَ رَضيَ اللهُ عنهُ قالَ: قلْتُ لعلي: وما فِي الصحِيفَةِ: قالَ: العَقْلُ, وفِكاكُ الأسِيرِ؛ وأن لا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ. بلْ هذا مِن أوجَبِ الواجِباتِ على المسلمينَ، وقدْ سُئِلَ مالكٌ رحمه الله: أَوَاجِبٌ عَلَى المُسْلِمِينَ افْتِدَاءُ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ؟ , قالَ: نَعَمْ، أليسَ واجبًا عَلَيهِمْ أنْ يقاتلُوا حتّى يَستَنْقِذُوهُم؟ , قالَ: بَلَى، قالَ: فَكَيْفَ لا يفتدُونَهُم بأمْوالِهم؟!.
وَقالَ عمرُ بنُ الخطاب: ما أُحِبُّ أنْ افْتَتِحَ حِصْنًا مِنْ حُصُونِهِمْ بِقَتْلِ رجلٍ من المسلمين.
قالَ مُحمدُ بنُ رُشْدٍ في البَيانِ والتحصيل: مَعْنَى قَوْلِ مالِكٍ هذَا، أنّ ذلكَ واجبٌ علَى الجُمْلَةِ، لقولِه عليهِ الصلاةُ والسلام: فُكّوا العانِيَ، لأنّهُ أمْرٌ فَهُوَ مَحْمولٌ على الوجوبِ، بِدليلِ ما احتجّ بهِ مالكٌ فِي الروايَةِ؛ فَواجبٌ علَى الإمام أن يَفُكّ أُسَارى المسلمينَ مِن بيت مالِهم، فَما قَصّرَ عنهُ بَيْتُ المالِ، تَعَيَّنَ علَى جَمِيعِ المسلِمِينَ فِي أَموالِهمْ َعلَى مقادِيرِها, ويكونُ هوُ كأَحَدِهِمْ إنْ كانَ لهُ مالٌ؛ فلاَ يَلْزَمُ أحدًا في خاصةِ نفسِهِ مِنْ فكّ أسْرَى المسلمينَ إلاّ ما يتعينُ عليهِ في مالِه علَى هذا الترتِيبِ؛ فإذَا ضَيّعَ الإمامُ والمسلِمُونَ ما يَجِبُ عَلَيهِمْ مِنْ هذا، فَواجِبٌ علَى كُلّ مَنْ كانَ لهُ مالٌ منَ الأُسَارَى أنْ يَفُكّ نَفْسَهُ مِنْ مالِه؛ إذْ لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يُبْقِيَ نَفْسَهُ أَسِيرًا فِي دارِ الكُفْرِ وَيُمْسِكَ مالَه؛ وَهذا وَجْهُ قَوْلِ مالكٍ. انتهى.
وحكَى الحافِظُ فِي الفتْحِ عَن ابنِ بَطّالٍ أنَ فِكاكَ الأَسيرِ واجبٌ علَى الكفايةِ، قال: وبهِ قالَ الجُمْهُورُ، و عنْ إسحاقَ بنِ رَاهَوَيْهِ: منْ بيْتِ المالِ.
وفي أسْنَى المطالِبِ لزكَريا الأنصاري: وَكَذَا لو أَسَرُوا مُسْلِمًا وَأَمْكَنَ تَخْلِيصُهُ منهم بِأَنْ رَجَوْنَاهُ تَعَيَّنَ جِهَادُهُمْ, وَإِنْ لم يَدْخُلُوا دَارَنَا, لأَنَّ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ أَعْظَمُ من حُرْمَةِ الدَّارِ, وَلِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ فُكُّوا الْعَانِيَ, فَإِنْ لم يُمْكِنْ تَخْلِيصُهُ بِأَنْ لم نَرْجُهُ, لم يَتَعَيَّنْ جِهَادُهُمْ بَلْ يُنْتَظَرُ لِلضَّرُورَةِ. انتهى.
مرَادُهُ: يُنْتَظَرُ بالجِهادِ لَعَدَمِ القُدْرَةِ علَى فِكاكِهِ بالقِتالِ، فلا يُسْقِطُ هذا وُجوبَ فكاكِهِ بالمالِ معَ القدْرَة، فإن الميسورَ لا يَسقطُ بالمَعْسور.