بِسم الله الرحمن الرحيم
دَعْوَى أنَّ فُلانًا هُوَ المَهْدِيُّ؟.
رقم الفَتوى: 96/ 1/ 5624
وسُئلُ - غَفَرَ اللهُ ذنْبَهُ وسَتَرَ عَيبَهُ - فِي سَنَةِ (1422) عنْ دَعْوى بَعْضِهِم بأنَّ فُلانًا هُو المَهْدِيُّ الذِي ورَدَ ذكْرُهُ فِي الأحادِيثِ، فقدْ كَثُرَ مثْلُ هذا بينَ الناسِ، ولا نزالُ نسمعُ ذلكَ فِي سائرِ البلادِ بَينَ حينٍ وآخَرَ، فما حكمُ ذلكَ؟.
فأجاب:
الحمْدُ للهِ؛ وأستغْفِرُ اللهَ؛ أما بعد:
فالمَهْدِيُّ وإنْ صَحَّتْ بِخَبَرِهِ الأحادِيثُ عن رَسولِ اللهِ صلّى اللهُ علَيهِ وسلّمَ؛ إلاَّ أنَّ التصْدِيقَ بِما أخْبَرَ بهِ علَيهِ الصلاةُ والسلامُ شَيءٌ؛ والتَّمَحُّلَ لَهُ بأنْواعِ التأوِيلِ الفاسِدِ؛ والتّكَلُّفاتِ التِي لا تَستَنِدُ إلَى دَلِيلٍ من كِتابٍ أو سُنَّةٍ شَيءٌ آخَرَ، فإنَّ الأولَ واجِبٌ علَى المُسلمِ؛ وهُو أنْ يُذعِنَ لِما صَحَّ بهِ الخَبَرُ عن رَسولِ اللهِ صلى اللهُ علَيهِ وسلمَ إذْعانَ تَسلِيمٍ وقُبولٍ، وأما الثانِي فقدْ رَأينا الناسَ يأتُونَ فِيهِ بِكُلِّ عَجِيبَةٍ وغَرِيبَةٍ؛ حَتَّى إنَّهُم رُبَّما صَحَّحُوا ما ضعُفَ من الأحادِيثِ؛ أو ضَعَّفُوا الصحِيحَ مِنها؛ أو حَمَلُوها علَى غَيرِ وجْهِها انْتِصارًا لما يَعْتَقِدُونَهُ مِن الآراءِ!، وَمِن الغَرائبِ أنّ الناسَ على مَرِّ عُصورِ التارِيخِ الإسلامِيّ ما بَرِحُوا يَصْنَعُونَ ذلكَ؛ وأكْثَرُ ما يَنْتَشرُ ذلكَ عِنْدِ اضْطرابِ الأحوالِ فِي بلادِ الإسلامِ؛ ورُبَّما اتخَذهُ أهْلُ الأهْواءِ والبِدَعِ ذَريعَةً إلَى نَيلِ مَآرِبِهِم؛ وتحْقِيقِ أغْراضِهِم، كما وقعَ لمِيرزا غلام أحمدَ القادْيانِي الذي ادّعى ذلكَ زَمن (الاستعْمار) الإنجلِيزِي لِبلادِ الهِنْدِ، وفِي كُتُبِ التارِيخِ ذكْرٌ لجماعَةٍ من هَؤلاء.
ومِما يُذكُرُ للعِبْرَةِ أنهُ قَدْ بلَغَتِ الأخْبارُ فِي هذا العامِ الذِي نَحْنُ فِيهِ (1422) عن سِتَّةِ أشْخاصٍ فِي سَتَّةِ أمصارٍ مُخْتَلِفِةٍ من بِلادِ المُسلِمينَ؛ كُلُّهُم يُقالُ عَنهُ هُوَ المَهْدِي، كما يُقالُ فِي غَيرِهُم هُو القحْطانِيُّ أو السفْيانِيُّ!، واللهُ المُستعان.
وكُلُّ هذا فاسِدٌ خارِجٌ عن طَرِيقَةِ الشرعِ وهَدِي الكِتابِ والسنَّةِ، ما أمَرَنا اللهُ تعالَى بالتكَلُّفِ لَهُ علَى هذا النحْوِ، ولا وَرَدَ في الأخْبارِ أنّ المهْدِيَّ يَزْعُمُ لِنَفْسهِ ذلكَ، ولا أنَّ لَهُ أتْباعًا يُرَوِّجُونَ أمْرَهُ قَبلَ ظُهُورِهِ، بل وَرَدتِ الأحادِيثُ بِخلافِ ذلكَ؛ وأنَّ الناسَ يَطْلُبُونَهُ للبَيعَةِ وهُو يَفِرُّ مِنها لا يُرِيدُها، وأيْضًا فَمَنْ نَظَرَ فِي شَيءٍ من الأخْبارِ الثابِتَةِ فِي ذلكَ وجَبَ علَيهِ أنْ يَنْظُرَ فِي جُمْلَةِ الوارِدِ فِي البابِ؛ أما التعَلُّقُ بِخَبَرِ خُروجِهِ دُونَ غَيرِهِ من الأخْبارِ الوارِدَةِ فِي صِفتِهِ وزَمَنِ خُروجِهِ والأحوالِ التِي يَخْرُجُ فِيها فإنّهُ مِن الوقوعِ فِي مزالِقِ البِدَعِ فِي الدِينِ، والأخْبارُ قَدْ دَلَّتْ علَى أنَّ بَينَ يَدَيْ ظُهُورِهِ مُقَدِّماتٍ وأماراتٍ لا بُدُّ مِنْها؛ وأنَّ لِظُهُورِهِ عَلاماتٍ وأحْوالًا تُلابِسُ خُروجَهُ؛ ولَم يَقَعْ إلى الآنَ مِنها شَيءٌ، وبِمِثْلِ هذا حَكَمَ السيوطِيُّ فِي الحاوِي بِبُطْلانِ دَعْوى مَن زَعَم فِي زَمَنِهِ أنَّ المهْدِيَّ موْجُودٌ فِي بِلادِ المَغْرِبِ، وللسيوطِي رسالةُ: العَرْفِ الورْدِيِّ فِي أخْبارِ المَهْدِيِّ، ذكَرَ فِيها كَثِيرًا مما يُحتاجُ إلَيهِ فِي البابِ، والله أعلم.
وأيضًا فإنَّ التَشَبُّثَ بِمِثْْلِ هذا الدّعاوِي يَصْرِفُ الناسَ عَن القيامِ بالتكالِيفِ التِي أمَرَهُم اللهُ تعالَى بِها، ويَحْمِلُهُم علَى الكَسلِ والتّماهُنِ فِي صُورةِ التوكُّلِ، حَتَّى إنّ فِيهِم مَن يَتْرُكُ الجِهادَ الذِي أمَرَ اللهُ تعالَى بِهِ؛ ويُعْرِضُ عن الأمرِ بالمَعُروفِ والنهْيِ عن المُنكَرِ بِحُجُّةِ فُشوِّ المُنكَراتِ وكَثْرَةِ الفِتَنِ؛ وأنهُ لا خَلاصَ من ذلكَ إلا بظُهُورِ المهْدِيِّ المُخْبَرِ عَنه، معَ ما يتَرَتَّبُ علَى ذلكَ من فِتْنَةِ المُتْبُوعِينَ واغْتِرارِهِم؛ والافْتِتانِ بِهم، وفِي هذا من المَفاسِدِ ما لا يَخْفَى.