والجهادُ يَتَعَيَّنُ في مواطنَ أربعةٍ:
الأول: استِنْفارُ الإمام؛ عامًّا كان الاستنفار أو خاصًّا؛ فمن اسْتُنْفِرَ وجبَ عليه النفير.
الثانِي: أن يحضُرَ المكلفُ صفَّ القتال.
الثالث: أن يَحُلَّ العدوُّ بلدَةً من بِلادِ المسلمين؛ على التفصيلِ الذي قدَّمْنَاه.
الرابع: ويتَعَيَّنُ لفكاكِ الأسرى؛ كما صرَّح به جماعةٌ من العلماء.
والجهاد في زمانِنَا مُتَعَيِّنٌ من الوُجُوهِ الأربَعَةِ المذكورةِ:
أما الأول: فإن الذي يقوم مقامَ الإمام في زمانِنَا في استِنْفَارِ أَهلِ الإسلامِ هم العلماءُ العامِلُون والأُمراءُ المجاهِدُون الصالحون؛ وهؤلاء قد اجتمعتْ كلمتُهم وتضافَرتْ أقوالُهم على وجوبِ النفيرِ للدفاعِ عن حُرُماتِ المسلمين، أما الذين عَطَّلُوا أحكامَ الله وشَرْعَهُ؛ واتَّخَذُوا اليهودَ والنصارى أولياءَ من دون المؤمنين؛ بل وأعانُوهُم على حَرْبِ الإسلامِ وأَهْلِهِ وتتبُّعِ المجاهدين وقتْلِهم فلا وِلايَةَ لهم ولا كرامَةَ ولا أنعَمَ الله لهم عينًا، بل لو كانوا من أَهْلِ الولايَةِ ونَهَوْا عن الجِهادِ المُتَعَيِّنِ فلا سَمْعَ لهم ولا طاعةَ.
قال ابن رشد: طاعةُ الإمامِ لازِمةٌ إن كانَ غير عَدْلٍ ما لم يأمُرْ بِمَعْصِيَةٍ؛ ومن المعصِيَةِ النهيُ عن الجهادِ المتعَيِّن.
وفي المحلَّى لابنِ حزم (5/ 352) : لا إثم بعدَ الكفرِ أعظم من إثم من نَهى عن جهادِ الكفَّار.
وأما الثاني: فبِلادُ المسلمين بمنْزِلةِ البلدةِ الواحدة؛ فإذا نزلَ العدوُّ دارًا منها فضلًا عن دورٍ كان المُسْلِمُ كمن حضَرَ صفَّ القتال، وفي كافي ابنِ قُدَامَةَ (4/ 254) : ولأنّهم في معنى حاضر الصف؛ فتعيّن عليهم؛ كما تعين عليه.
وأما الثالثُ والرابعُ فالأمرُ فيهما ظاهِرٌ، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وَصلى الله وسلم وباركَ علَى محمدٍ وعلَى آلهِ وصحبِهِ وسلم.
كانَ اللهُ له
خادم العلم وأهله:
أبو الوليد الغزي الأنصاري