الصفحة 110 من 207

المعْذورُ من عَذَرهُ الله تعالى، فليس كلُّ من يَذْكُرُ عُذْرًا معْذورًا في حقيقة الأمر؛ وإن كان الواجبُ علينا أن نَقْبَلَ من الناسِ عَلانِيَتَهم وَنَكِلَ سرائِرَهم إلى الله تعالى، فلينْظُرْ كلُّ امرئٍ لِنَفْسِهِ؛ وليُعِدَّ لِسُؤالِ الله تعالى له عن ذلك جوابًا، نسأل الله أن يرحمَ ضَعْفَنَا؛ وأن يغفِرَ لنا تَقْصيرَنَا في نَصْرَةِ الْمُسْتَضْعَفِين من الْمُسْلِمِين؛ وأن يتجاورَ عن خطايانا، وهو حسبُنا ونِعْمَ الوكيل.

وإذا تَعَيَّنَ الجهادُ فلا إِذْنَ فيه لأحَدٍ على أحد؛ لا لأمير؛ ولا لِوَالِدٍ [1] ؛ ولا لِشَيخٍ؛ ولا لِسَيِّدٍ؛ ولا لِغَريم؛ قيلَ ولا لِزَوْجٍ، ولا يُشترطُ له شرطٌ؛ لا الإمامُ ولا الزادُ ولا الراحِلَةُ ولا غيرُ ذلك مما يُذْكرُ في البابِ، لأنَّهُ إنما يَتَعَيَّنُ دَفْعًا عن الحُرْمَةِ وذبًّا عن الشريعةِ، ومتى تكاسلَ المسلمون عن دَفْعِ العدوِّ الصائلِ أفسدَ الدينَ والدُّنيا وأهلكَ الحرثَ والنسْلَ!!، فكان إِيجابُ الجهادِ على كلِّ مسلمٍ مكلَّفٍ قادرٍ والحالةَ هذه من بابِ تحصيلِ أعظمِ المصلحتين ولو بِتَفْوِيتِ أَدْناهُما؛ ودفعِ أكبرِ المفسدتينِ ولو بارتِكابِ أَدْنَاهما.

تنبيهات:

الأول: ليست المرأةُ من أهلِ القتالِ أَصْلًا؛ ومن قال بِتَعَيُّنِهِ عليها والحالةَ هذه لم يُسَلَّمْ له إلا بِجُمْلَةٍ من القُيُودِ؛ فإيجابُهُ عليها خارجٌ عن الإجماعِ الذي قدَّمنا حِكايَتَه، وفي حاشية أبي السعودِ المُسَمَّاةِ (فتح المعين) : قوله: فتخرُجُ المرأةُ؛ مُتَفَرِّعٌ على كون الجهادِ فرضَ عينٍ على كلِّ الناس إذا هجم العدوُّ، قال السيدُ الحمَوِيُّ: وينبَغِي أن يُقَيَّدَ الوُجُوبُ في المرأةِ - على ما فيهِ - بِما إذا كان لها محرمٌ يذهبُ معها للجهاد؛ بدليلِ اشتراطِ المحرَمِ لها في الحجِّ وهو فرضُ عين. انتهى.

الثانِي: إذا تعين الجهادُ بِحُلُولِ العدوِّ عُقْرَ الدار فلا فرق في هذه الحالةِ بينَ كونِ الْمُسْتَنْفِرِ عدلا أو فاسقًا؛ كذا في فتح القديرِ لابنِ الهمام؛ زاد في فتحِ المعين عن التنويرِ وشرحِهِ: لأنه خبرٌ يشْتَهِرُ في الحال. قال ابنُ الْهُمَامِ: وَكَأَنَّ مَعْنَاهُ إذَا دَامَ الْحَرْبُ بِقَدْرِ مَا يَصِلُ الأبْعَدُونَ وَبَلَغَهُمْ الْخَبَرُ وَإِلا فَهُوَ تَكْلِيفٌ بِمَا لا يُطَاقُ، قال: بِخِلاَفِ إنْفَاذِ الأسِيرِ وُجُوبُهُ عَلَى الْكُلِّ مُتَّجَهٌ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مِمَّنْ عَلِمَ. انتهى.

ومن تَعَيَّنَ عليه وليسَ له مِنَ المالِ ما يَقُومُ بِنَفَقَةِ تَجْهِيزِهِ من السلاحِ والذَّخِيرَةِ وأُجْرَةِ الطريقِ وطَعَامِهِ وشَرَابِهِ وغيرِ ذلك مما يُحْتَاجُ إليه؛ ونَفَقَةِ أَهْلِهِ من بعدِهِ وَجَبَ له ذلك في بَيْتِ مالِ الْمُسْلِمِين، فإن لم يَكُنْ بيتُ مالٍ وَجَبَ على جَمَاعَةِ المسلمين أن يُرَتِّبُوا ويَجْمَعُوا من المالِ ما يقومُ بحاجَةِ المجاهدين وحملَةِ العِلْمِ منهم وجميعِ ما يُحتاجُ إليهِ في دفْعِ العدو وحِمايَةِ الثغور، على ذلك دلَّ الكتابُ والسنةُ، وقاله كثيرٌ من الأئمَّةِ رحمهم الله.

وتقادُمُ الزمانِ وطولُ العهدِ بِحُلُولِ العدوِّ بلدًا من بلادِ المسلمين لا يُسقِطُ فرضَ الجهادِ عن المسلمين؛ كما وقع في الأندلُسِ مثلا؛ بل إن عجزَ المسلمون عن دَفعِهِ أو تكاسَلُوا عنه مكانًا أو زَمانًا انتقلَ الوجوبُ إلى من يليهم مكانًا وزمانًا حتى يعودَ كل شبرٍ كانَ تحت سلطانِ المسلمين في يومٍ من الأيامِ إلى ما كان عليه؛ والله أعلم.

(1) من الإحسانِ إلى الوالدين والبر بِهما إذا لم يتعين الجهادُ أن لا يجاهِدَ إلا بإذنِِهِما، ذكرَهُ القرطبي في تفسير سورة الإسراء: وقضى ربك ... الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت