الصفحة 109 من 207

ولا تَبْرَأُ العُهْدَةُ بالتحريضِ عليه فقط؛ ولا بالإفتاءِ بوُجُوبه وتَعْلِيمِ مسائِلِه فقط؛ ولا بإنفاقِ الأموالِ وتَجْهِيزِ الغُزاةِ فقط؛ ولا بِتَحديثِ نفسِهِ بالغزو فقط؛ ولا بالدعاءِ للمجاهدين فقط؛ بل أن يُباشِرَ الخروجَ إليهِ بِنَفْسِهِ ويُبَاشِرَ قتالَ العدوِّ بِنَفْسِهِ ويُعاوِدَ الكَرَّةَ تِلْوَ الكرَّةِ حتى يندحرَ العدوُّ ويخزى أو يموتَ وهو مُدْمِنٌ على ذلك.

فمن عَجِزَ عن شيءٍ من ذلك سقط ما عجزَ عنه ولَزِمَهُ ما يقْدِرُ عليه، ومتى زالَ العُذْرُ لَزِمَه ما كان ساقِطًا عنه للعُدْرِ على الفَوْر [1] .

فإن كان من أهلِ بَلْدَةٍ نَزَلَ العدُوُّ بِساحَتِها فليُبَاشِرْ دفعَه في بَلَدِهِ فإنه أولى؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ ... } الآيةَ، فإن كان في قتالِهِ في بلدَةِ أخرى مصلحَةٌ مُعْتَبَرَةٌ شرعا قُدِّمَ؛ والله أعلم.

ولو زادَ عددُ العدوِّ عن ضِعْفِ المسلمين فالقتالُ واجبٌ أيضًا؛ قال ابنُ تيميةَ رحمه الله في كتابِ الجهادِ من الفتاوي الكُبْرَى: وقتالُ الدفعِ مِثْلُ أن يكونَ العدوُّ كثيرًا لا طَاقَةَ للمسلمين بِهِ؛ لكن يُخَافُ إن انْصَرَفُوا عن عَدُوِّهِم عَطَفَ العدوُّ على مَنْ يُخَلِّفُونَ مِنَ المسلمين؛ فهنا قد صرَّحَ أصحابُنا بَأَنَّهُ يَجِبُ أنْ يَبْذُلُوا مُهَجَهُمْ ومُهَجَ من يُخَافُ عليهم في الدفْعِ حتّى يَسْلَمُوا، ونَظِيرُها أن يهجمَ العدوُّ على بلادِ المسلمين؛ وتكونَ المقاتِلَةُ أقلَّ من النصفِ فإن انْصَرَفُوا اسْتَوْلَوْا على الحريمِ؛ فهذا وأَمْثالُهُ قتالُ دَفْعٍ لا قِتَالُ طَلَبٍ لا يَجُوزُ الانْصِرَافُ فيهِ بِحال؛ وَوَقْعَةُ أَحُدٍ من هذا الباب. انتَهَى، قلتُ: وكذلكَ الخَنْدَقُ؛ بل الأمرُ فِيها أوضحُ واللهُ أعلم.

ومن عَجِزَ عن الخُرُوجِ إلى الجهادِ ومُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ لعَذْرٍ قائمٍ في حقه؛ فليَتَأَهبْ له وليُعِدَّ له عُدَّتَه بالتَّدرُّبِ على أنواعِ القتال وفُنُونِ الحربِ؛ ومن ذلك ركوبُ الخيل والسباحةُ وأنواعُ الرِّياضاتِ البَدنِيَّةِ التي تَكْسِبُ التَّجَلُّدَ وتَحَمُّلَ المشاقّ، وغيرِ ذلك مما يُحْتاجُ إليه في الجهادِ، فإن الميسورَ لا يَسْقُطُ بالمعْسُورِ؛ وإذا لم يستَطِع الخُرُوجَ إلى الجهاد والقتالِ لِعُذْرٍ لم يَسْقُطْ عنه الإعدادُ له؛ والإعدادُ للجِهادِ الفرضِ فرضٌ، ثُمّ إنهُ دَلِيلُ الصدْقِ مِن العازِمِ عَلِيهِ، وعليهِ مع ذلك أن يَتَحَيَّنَ الفُرْصَةَ للخُروجِ متى قدر عليه؛ ومتى فعَلَ ذلك رَجَوْتُ أن تَبْرَأَ عُهْدَتُهُ مما كُلِّفَ به؛ وأن يكتبَ الله له أجر المجاهدين في سبيلِهِ وإن ماتَ على فِراشِهِ.

فائدةٌ: في كتابِ الجهادِ من فتح المُعِين وهو حَاشِيَةُ أبي السُّعُودِ الأزْهَريِّ على شَرْحِ مُنلا مسكين على الكنزِ وكُلُّها من كُتُبِ الحنَفِيَّة: ولا بُدَّ من الاسْتِطاعَةِ فلا يخرجُ المريضُ المدنفُ، أما من يَقْدِرُ على الخروجِ دونَ الدفعِ يَنْبَغِي أن يخرجَ لتكثيرِ السوادِ لأن فيه إرهابًا. انتهى. ذكرَ نحوه في فتحِ القدير [2] في كتابِ السِّيَر؛ وعنه في البحر الرائق؛ وفي الدر المختارِ (4/ 303) ؛ وفي شرحِهِ ردِّ المحتار.

ولا يَجُوزُ له التخَلُّفُ بِحُجَّةِِ الانشغالِ بِطَلَبِ العلمِ [3] أو تعليمِهِ أو الدَّعْوَةِ إليه، فما ظَنَّكَ بِمن يَتَخَلَّفُ خَوْفًا على دُنْيا تَضِيعُ من بَعْده!؛ أو تِجَارَةٍ يَخْشى كسادَها!؛ أو انْقَطاعِ وظيفَةٍ أو فواتِ راتِبٍ!؛ فليسَ شيءٌ من ذلك عُذْرًا ألبتَّهَ، وإنما

(1) ذكر ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى الكبرى أنّ الحجَ وإن كان واجبًا على الفورِ عند الإمام أحمد رحمه الله لكنه يؤخرٌ لمصلحةِ الجهاد، كما ذكر أن أحمدَ رحمه الله يقول بتقديم الجهاد ولو لم يَيْقَ معه مالٌ للحجِّ.

(2) لابن الهمام؛ إمامٌ علامة؛ قيل: بلغ رتبةَ الاجتهاد؛ ذكرَ في آخِرِ كتابِهِ هذا أن كتابه اشتَمَل على ثلاثةِ آلافٍ من التصرفاتِ التي لم يسبِقْهُ إليها أحد!؛ وفي معارفِ السنن (6/ 516) : وقد سمعتُ شيخََنَا (يعني: الكشميريَّ) رحمه الله يقول: إنه تفرَّد الشيخُ ابنُ الهمام في تٍسعِ مسائل، وقال صاحبه المحدِّثُ الفقيهُ المحقق الشيخُ قاسم بن قطلوبغا: إن تفرداتِهِ غيرُ مقبُولَةْ. انتهى. قلت: خرَجَ في بعضِها عن المذاهِبِ الأربعةِ؛ والفصلُ في ذلك للدليل من الكتابِ والسنةِ لا لموافقةِ المذهبِ ولا مُخَالفَتِهِ؛ وانظر إن شئتَ الفتحَ المبينَ في طبقاتِ الأصوليين للمراغي؛ فقد ذكر بعض اختياراتِه؛ والله المستعان.

(3) بحث الأئمة كالنووي وغيرِه رحمهم الله في التفضيل بين العلم والجهاد؛ وقد روى الحاكم وغيرُه عن ابن عباس: (الغُدُوُّ والرواح في تعليم العلم أفضلُ عندَ اللهِ من الجهادِ في سبيلِ الله) ذكره المناوي في الفيض (5790) وقال: ما لم يتعين الجهاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت