الصفحة 108 من 207

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصَةٌ جامِعَةٌ فِي حُكْمِ الجِهاد.

رَقَمُ الفَتوى: 100/ 23/ 6289

وسُئلَ عن خُلاصَةٍ جامِعَةٍ فِي حُكْمِ الجِهادِ فِي زَمانِنا؛ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن الأحْكامِ؟.

فأجاب:

الحمدُ للهِ؛ أما بعد:

فاعلم أيّدَكَ الله أن كَلِمَةَ الأئمة قد اتَّفقت على أنه إذا اعْتُدِيَ على شِبْرٍ من بلادِ المسلمين؛ صارَ الجِهادُ فَرْضَ عينٍ على أهلِ تلك البلادِ ممن يلي العدوَّ؛ حتى يقومَ منهم عَددٌ يكفي لِدَحْرِهِ ودَفْعِهِ وتخليصِ المسلمين من شَرِّه، فإن عَجِزَ هؤلاءِ أو تكاسَلُوا صارَ فرْضًا على من يَلِيهِم من أهلِ الإسلام؛ فإن لم يكنْ في هؤلاءِ كِفَايَةٌ أيضًا فعلى الذين يَلُونَهم؛ وهكذا حتى يَعُمَّ الوُجُوبُ كلَّ قادِرٍ على غَوْثِهِم وعونِهِم، لعُمومِ قولِهِ تعالَى: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدّينِ فَعَلَيْكُمُ النّصْرُ} ؛ وغَيرِهِ من الأدِلّةِ.

وليس المرادُ مِنْ هذا أن يَقْعُدَ القادِرُ عن نَصْرَتِهِم يَرْقُبُ حَالَهم مع عَدُوِّهِم؛ حتى إذا نزَلَ العَدُوُّ بساحتِهم واستباحَ بيْضتَهَم؛ وجبَ النفيرُ حينئذٍ!؛ بل يَتَعَيَّنُ النفيرُ إليهم متى قَصَدَ العَدوُّ دَيارَهم وقَبلَ أن يحُلَّ بِساحَتِهم، فإنَّ المُتَعَيِّنَ منعُ العدو من الحلولِ بَدَارِ الإسلام؛ لا إخْراجُهُ من الدارِ بعدَ حُلُولِهِ فيها فحسب.

أما إذا حَلَّ العدوُّ عُقْرَ الدار فقدْ ثَبَتَ عجزُ أهلِها عن دفعه؛ وصارَ دَفعُه واجبًا على من يليهم، وليس من قولِ أحدٍ من المسلمين القُعُودُ عن نصرتِهِم وتركُ العدوِّ يصنعُ بِهم ما يشاء؛ كما حَكَيناهُ في (سَلِّ الحسام) عن ابن العربي المالكيِّ رحمه الله.

وهذا هو الحالُ الواقعُ في زماننا وقبله بأزمانٍ كثيرةٍ؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإنَّ عدوَّ الدينِ قد حلَّ دُورًا فَضْلًا عن دار، كما وقع لأهلِ الأندلس أولا؛ وكما وقع لبلادِ ما وراءَ النهر بخارى وتِرْمِذَ وغيرِها؛ وكما يقعُ اليومَ في فلسطينَ وأفعانستانَ والعراق وغيرها من أمصارِ المسلمين، ولله الأمرُ من قبلُ ومن بعد.

وكلُّ من يعقِلُ الْخِطَابَ يعلمُ أن أهلَ هذه الأمصارِ قد ثَبَتَ عَجزُهُم عن دَفْعِ عدوِّ الإسلامِ ثُبُوتًا بَيِّنًا ظاهِرًا؛ فالمسلمون مثَلًا في بيتِ المقدسِ وفلسطين تحتَ قهرِ اليهودِ وإخوانِهِم من النصاري من نحو تسعين عامًا!!؛ وهكذا الحالُ في غيرها من البلاد، فليسَ يحِلُّ لأحدٍ اليومَ القعودُ والتَّخَلُّفُ عن نصرتِهِم؛ إلا من عذَرَهُ الله ربُّ العالمين.

ولا تبرأُ ذِمَّةُ المكلُّفِ إلا باسْتِفْرَاغِ الوُسْعِ والطاقةِ هجرةً؛ وجِهادًا؛ وتَحْريضًا على القتالِ؛ ومُباشَرَةً له بالنفس والمال؛ ودَعْوَةً؛ وتَعَلُّمًا؛ وتَعْلِيمًا، كلٌّ بحسبِ وُسْعِهِ وما آتاهُ الله تعالى من فضله، فمن قدر على ذلك كُلِّهِ وجبَ عليه جميعه، ولا يسقطُ عن المكلَّفِ شيءٌ من ذلك إلا بالعجزِ عنه كسائرِ التكاليف.

ومعنى قولِهم: إن الجهاد فرضُ عينٍ في بعضِ الصور أن يُبَاشِرَهُ القادرُ عليه بِنَفْسِهِ؛ وأن يَسْعَى إليه كما يسعى إلى الجُمَعَةِ وغيرِها من الواجِبات؛ وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلا به فهو واجِب، فإن كان لا يتم إلا بالهجرَةِ فالهجرة واجبةٌ أيضًا لنصرةِ إخوانِهِ من المؤمنين والذبِّ عن دِينِهِم وحريمهم؛ وفي الحديث: لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت