بعدَ هذا الأمانِ وعَقْدِكَ الْمُسَالَمَةَ بِهذا السلامِ من النَّكْثِ، فمن نَكَثَ فإنّما يَنْكُثُ على نَفْسِه، فإياكَ أن يَصْدُرَ مِنْكَ في حَقِّ منْ حَيَّيْتَهُ بالسلام أذىً؛ أو تُضْمِرَ له بُغْضًا؛ فتكونَ ناقضًا لِعَهْدِ الأمانِ؛ فَتَبُوءَ بالْحِرْمانِ والْخُسْرانِ. انتَهى.
وقَدْ ذكَرَ ابنُ عَبْدِ البرِّ فِي الاسْتِذكارِ أنَّ مالكًا رَحِمَهُ اللهُ قَدْ سُئلَ عَن الإشارَةِ بالكَلامِ أهِيَ بِمَنْزِلَةِ الأمانِ، فقال: نعم، وإنِّي أَرى أن يَتَقَدَّمَ إلى الجيوشِ أنْ لا تَقْتُلُوا أحدًا أشارُوا إليْهِ بالأَمَانِ، لأنَّ الإشارَة عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الكلام. انتهى.
فإذا كانَتْ الإشارَةُ بالأمانِ أمانًا، ولَو كانَتْ لِكافِرٍ حَرْبِيٍّ؛ ويَحْرُمُ بِها دَمُهُ، فَما ذُكِرَ فِي السؤالِ أولَى أنْ يَكُونَ أمانًا، وقَدْ قالَ النَبِيُّ صلّى اللهُ علَيهِ وسلّمَ: مَنْ أَمَّنَ رَجُلًا عَلَى نَفْسِهِ فَقَتَلَهُ; أُعْطِيَ لِواءَ الغَدْرِ يَوْمِ القِيَامَةِ، قالَ الألْبانِيُّ فِي السلْسلَةِ الضعْيفَةِ: أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
واعلَمْ أنّ كُلَّ ما تَضَمَّنَ نَقْضًا للعَهْدِ؛ أوْ نَقْضًا لأمانٍ صَرِيحٍ أو ما يُفْهِمُ الأَمانَ فَذلكَ مِن الغَدْرِ المُحَرَّمِ شَرْعًا؛ كما يُفْهَمُ من كلامِ العُلماءِ كالنوَوِيّ وابنِ قُدامَةِ وغَيرِهِمْ، وأما الخِدْعَةُ الجائِزَةُ فَهِيَ ما خَلَتْ عَن ذلكَ كُلِّهِ؛ وتَكُونُ بالتورِيَةِ؛ والتعْرِيضِ؛ والتخْذيلِ بَينَ العَدُوِّ؛ وإرادَةِ المَكْرُوهِ بِهِ مِن حَيثُ لا يَعْلَمُ؛ وإخْفاءِ القَصْدِ؛ وبِفِعْلٍ يُوهِمُ غَيرَ المُرادِ مِنْهُ كإظْهارِ الفِرارِ أمامَ العَدُوِّ والكَرِّ علَيهِ ثانِيَةً؛ وَكالاسْتِدْراجِ إلَى كَمِينٍ؛ ونَحْوِ هَذا.
وفِي الكتابِ والسنَّةِ مِن الأدِلَّةِ علَى تَحْرِيمِ الغَدْرِ وذَمِّ الخِيانَةِ ما لاَ يَتَسِعُ المَقامُ لِبَعْضِهِ فَضْلًا عَن كُلِّهِ، بلْ حَكَى بَعْضُ العُلماءِ ذَمَّهُ فِي الشرائعِ كُلِّها، وقَدْ أكْثَرَتِ العَرَبُ مِن ذَمِّهِ والطعْنِ بِهِ؛ حَتَى سَمّتْهُ بأسْماءٍ كَثِيرَةٍ ووَصفَتْ بهِ أخْبَثَ السباعِ تَهْويلًا لأمْرِهِ؛ وتَقْبِحًا لشانِهِ؛ وتَشْنِيعًا عَلى فاعِلِهِ، وحَكَى الأصْمَعِيُّ أنَّهُ سَمِعَ أعْرابِيا يَقولُ: يارَبِّ أعُوذُ بِكَ من الخُنُوعِ؛ يَعْنِي: الغَدْر!.
وَالوَاجِبُ علَى كُلِّ مَن أرادَ بِجِهادِهِ إعْلاءَ كَلِمَةِ اللهِ تعالَى أنْ يَقْفَ عِنْدَ حُدُودِ شَرْعِهِ لا يَتَجاوَزُها؛ والأمْرُ بالمَعْرُوفِ والنَهْيُ عَن المُنْكَرِ والتواصِي بالحَقِّ والصبْرِ عَلِيهِ وإنْ كانَ واجِبًا علَى كُلِّ أحَدٍ؛ إلاَّ أنَّ المُجاهِدِينَ أولَى الناسِ بِهِ، ولَيْسَتْ مُجارُاةُ مَن خالَفَ أمْرَ الشّرْعِ مَنْ دَأبِ الصالِحِينَ؛ فَضْلًا عَن العُلَماءِ الذِينَ تَحَمَّلُوا أمانَةَ إبْلاغِ العِلْمِ وَالدّين، والتهَاوُنُ فِي مِثْلِ هَذهِ الأُمُورِ مِن أعْظَمِ ما يَجُرُّ سَخَطَ اللهِ تَعالَى؛ وإنَّما يُطْلَبُ النصْرُ بِطاعَتِهِ ومَرْضاتِهِ، وفقَ اللهُ الجَمِيعَ إلَى ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، وباللهِ وحَدَهُ التّوفِيقُ، وصلّى اللهُ علَى مُحمدٍ وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسلم.
كانَ اللهُ له
خادِمُ العِلْمِ وأهْلِهِ
أَبُو الوَلِيدِ الغَزّيُّ الأَنْصارِيُّ